رسم توضيحي: لويزا كاراجورجيو، لصالح الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية (GIJN).
بقلم إيان أوفرتون
عندما ينظر المؤرخون إلى حروب عشرينات القرن الحادي والعشرين، قد يلاحظون أمرين.
الأول هو أن مصادر هائلة من المحتوى التي كانت تساعد هؤلاء المؤرخين في العادة في تغطيتهم للحروب مفقودة تمامًا. ما الشيء الحديث المشابه لـ”مذكرات الحرب العظمى“؟ رسائلُ واتساب حُذفتْ منذ زمن طويل. ما الشيء الحديث المشابه لتقارير الحالة المكتوبة— إذا نجت من التدمير — التي عُثر عليها في حرب فيتنام؟ اختفتْ على خوادم متآكلة. قد تضيع كميات هائلة من البيانات الرقمية مع مرور الزمن.
الملاحظة الثانية قد تكون صراعًا في تحديد موقع الجبهة القتالية. هل هي المكان الذي تعرض فيه المدنيون لأكبر ضرر؟ هل كانت مقرّ سرب طائرات بدون طيار؟ هل كانت على خوادم عملاقٍ تقني؟ الجغرافيا الفيزيائية للصّراع المسلّح الحديث، التي كانت تعرف سابقًا بخطّ المعركة الأحمر الرفيع، توسعت وتمددت، حتى ازدادت صعوبة تحديدِ الخط الأمامي أكثر فأكثر. ستظهر خريطة معقدة لساحة المعركة الرقمية، تشمل مجموعات الأقمار الصناعية، وعقود السحابة (cloud)، وأرشيفات الخوادم(servers) وسلاسل توريد الأسلحة والتقنية.
حقيقة الحرب الحديثة لا تظهر في الصور التي نراها على شاشات هواتفنا الذكية: العمارة السكنية المدمّرة، أو المقبرة الجماعية، أو صرخات الأمهات في الجنازات. كما أشار المؤلف “سي إس لويس” ذات مرة “هذه هي نتائجها -الحرب- النهائية”. العنف يبدأ في مكان آخر. يتم تصوّره، وتفويضه، وتمويله، وترميزه، والتّعاقد معه في غرف الاجتماعات، ومراكز البيانات، ومكاتب التكنولوجيا. يتقدّم من خلال أطر الشِّراء، واتّفاقيات الخدمات السحابيّة، والاستثمارات في رأس المال المخاطِر، وتحديثات البرمجيات. قرارات شراء هذه التقنيات تؤخذ وتُدعم وتُقرُّ وتُوثَّق قبل أن يصيب الصاروخ هدفه بوقت طويل.
لذا، فإن مهمّة الصحفي لا تقتصر على توثيق نتيجة العنف، بل إعادة بناء العملية التي أنتجته. تمتدّ ساحة المعركة اليوم إلى ما هو أبعد من الحفر التي تخلفها القذائف، بل تمرّ عبر البيروقراطيات والشركات ومراكز التكنولوجيا والمؤسسات المالية. قد يكون الانفجار هو التّعبير النّهائي عن خطٍّ من القرارات والعلاقات والحوافز بدأ قبل استخدامٍ أيّ سلاحٍ بوقتٍ طويل. لفهم الصّراع الحديث — أكثر من أي وقت مضى — يجب تتبّع تلك السلسلة من نهايتها إلى بدايتها، من الضرر إلى النظام، ومن الحادث إلى البنية التحتية، ومن الموت إلى تفاصيلِ آلةٍ تكنولوجيّةٍ جعلت الموت ممكنًا.
هذا العمل هو محور هذا الدّليل: كيفية التحقيق في صراعٍ معاصر يعمل أكثر وأكثر خلال مساحة ضبابية بين الأنظمة العسكريّة والمدنيّة، حيث أصبحت المنصّات السحابيّة، وشبكات المراقبة، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتيّة التجاريّة جزءًا من الحرب بحدّ ذاتها. التحقيق الآن يعني تتبُّع السلسلةِ من أضرار ساحة المعركة إلى الأنظمة التي أسندتها.
على سبيل المثال، استخدم تحقيقُ منظمةِ العفو الدولية في السودان تحليلَ شظايا القنابلِ لتحديد ذخائر موجهة مصنوعة في الصّين خلصت إلى أنها أعيد تصديرها على الأغلب من قبَلِ الإمارات العربية المتّحدة إلى قوات الدّعم السريع في انتهاكٍ لحظر توريد الأسلحة الأممي. كما درست التحقيقات في الحرب في غزة كيف أصبحت منصّات الذكاء الاصطناعي التّجارية وخدمات البيانات المقدَّمة من شركات مثل “بالانتير” جزءًا من أنظمة الاستهداف العسكريّة، مما يثير تساؤلات عميقة حول مسؤولية الشّركات عن الأضرار التي لحقت بالمدنيين.
التحدّي، بالطبع، هو أن يتمكّن الصحفيون من تتبُّع خطوطِ المسؤولية المجزَّأة بين الكثير من الدول والشركات وسلاسل التوريد والهياكل التقنية بطرقٍ تصعّب المساءلة إلى حدٍّ كبير.
ولا حاجة للقول إن الحاجة للتحرّك ملحّة وعاجلة، لأن وتيرة التّطور الرقمي كانت مذهلة. بحلول أوائل عام 2025، قدّر معهد الخدمات المتّحدة الملكي، وهو مركز أبحاث عسكري في لندن، أن الطائرات بدون طيار شكلت 60-70٪ من المعدّات العسكرية الروسيّة المتضرّرة أو المدمّرة في أوكرانيا. كان هذا الرقم يبدو خياليًا قبل عقد من الزمن. بحلول عام 2026، أصبح التقاطع بين الجيش والتقنية مميزًا لدرجة أن إيران استهدفت بشكل مقصود في حربها مع الولايات المتحدة مراكز بيانات أمازون في الإمارات والبحرين.
لم يعد ينظر إلى الجوانب الرقميّة على أنها مسانِدة للقتال؛ بل باتت تعتبر أساسيةً فيه.
ومع توجهنا نحو ساحة المعركة الرقمية، ارتفعت أيضا المخاوف المتعلّقة بحقوق الإنسان. حثت اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) الدّولَ على إخضاع الذكاء الاصطناعي في الصراع بشكل كامل للحكم البشري. إنها معركة نحو الاعتدال والصراحة أنها لا تنجح حقًا. حتى الآن، توقفت محادثات النوايا الحسنة التابعة للأمم المتحدة نحو أداة ملزِمة بشأن الأسلحة الفتّاكة المستقلة. وليس من المثير للجدل القول إن التنظيم الدولي متأخرٌ عن واقع النزاعات الحديثة.
ويجب على الصحافة الآن أن تملأ هذا الفراغ.
لذا، لم يعد السؤال أمام الصحفيين هو ما إذا كانت الجيوش تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي أم لا. بل بات السؤال هو كيف أصبحت هذه الأنظمة جزءًا من آلة قتل؟ منْ يبيعها؟ ما الأرباح التي تُجنى منها؟ من أين تأتي بيانات الاستهداف؟ ما مقدار السيطرة البشرية الفعليّة عليها؟ماذا يحدث عندما تفشل أنظمة الحماية المدنية (أو إن لم يكن هنالك أنظمة حماية أصلاً)؟

كشف تحقيق أجرته منظمة العفو الدولية بشأن السودان، استنادًا إلى تحليل شظايا قنابل، عن استخدام ذخائر موجّهة صينية الصنع، وخلص إلى أنه من شبه المؤكد أن الإمارات العربية المتحدة أعادت تصدير هذه الذخائر إلى قوات الدعم السريع، في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة. الصورة: لقطة شاشة، منظمة العفو الدولية.
من مجمع عسكري-صناعي إلى مجمع تقني عسكري
حتى نفهم ساحةَ المعركة الرقميّة الجديدة بشكل أفضل، قديتعيّن علينا أولا أن نقبل أن عبارة “المجمع الصناعي العسكري” عبارةٌ عمرها حوالي 60 عاما وقد عفا عليها الزمن. الحروب المعاصرة منظمةٌ ليس فقط حول مجموعةٍ من مصنِّعي الأسلحة؛ بل نما مجمع “تقني عسكري” أوسع حيث تمكن البنية التحتية السحابية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والتحليلات، وأجهزة الاستشعار، وأنظمة الاتصالات من التخطيط للحرب وخوضها — بل وحتى — سرد قصّتها.
لذا، في الغرب، يشمل هذا النظام شركات مثل مايكروسوفت، أمازون، غوغل، بالانتير تكنولوجيز، أندوريل إندستريز، أوبن إي إي، وأنثروبيك (رغم الجدل المتعلق بالأخيرة). طوّرت الصين “اندماجًا عسكريًا مدنيًا” خاصًا بها، حيث تتجذر شركات مثل هواوي وتينسنت وسينس تايم بعمق في قوتها العسكرية. بينما تعتمد روسيا على شبكةٍ تجمع توجّهها الدولة تركز على روستيك، وياندكس، وعدد من موردِّي الأمن السيبراني والطائرات المسيَّرة والتّقنيات مزدوجةِ الاستخدام الذين يعملون داخل وخارج نطاق نظام العقوبات الذي يواجهه الكرملين.
دخلتْ هذه الشّركات مجتمعةً إلى سباق تسلُّحٍ تقنيٍّ مُربحٍ للغاية، حيث تقوم تقنيات الذّكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلّة ومنصّات التّواصل الاجتماعي وعلمُ الكمِّ بإعادة تشكيلِ الحرب التي يتمّ التحكُّم بها عن بعد وتفعل ذلك من الدّاخل، بالإضافة إلى تغيير طريقة النّظر إليها من الخارج.
المبالغ التي تنطوي عليها المسألة مبالغ مذهلة. في ميزانية 2027، طلب البنتاغون أكثر من 54 مليار دولار لتمويل مجموعة الحرب الدفاعية المسقلّة، بما في ذلك “أنظمة مستقلّة يتمّ تشغيلها عن بعد جوًا وبرًا وفوق وتحت البحر.” وكان هذا بزيادة نسبتها 24,000٪ عن عام 2025. في مايو 2026، أبلغ أن مجموعة التكنولوجيا الدفاعية الألمانية “هيلسينغ” كانت تعمل على جمع تمويل بحوالي 18 مليار دولار أمريكي، مما يجعلها واحدة من أكثر الشركات الناشئة قيمةً في أوروبا.
صعود هذه الوحوش الرقمية العملاق يسبب تحولاً في السلطة. نعم، ما زالت السيطرة بيد الدّول، لكن القدرات (المراقبة، الاتصالات، القرارات المؤتمتة) تمارَس بشكل متزايد من قِبل شركات ما يزال عملاؤها وموظفوها في الغالب مدنيين، ويتمّ استخدام هذه المنصات المدنية كسلاح. وثّقت تحقيقات وكالة أسوشيتد برس في استخدام الذكاء الاصطناعي التجاري في غزة ولبنان زيادةً في استخدام النماذج الجاهزة أثناء الحرب للنسخ والترجمة والبحث في مخازن الاستخبارات. تزعم الأبحاث أن نماذج الذكاء الاصطناعي (في هذه الحالة، من مايكروسوفت) المصممة أساسًا للاستخدام المدني كانت تُستخدم على نطاق واسع لأغراض عسكرية. لم ترد مايكروسوفت على صحفيي وكالة أسوشيتد برس للتعليق على هذه القصة.

وثّقت تحقيقات وكالة أسوشيتد برس في استخدام إسرائيل التجاري للذّكاء الاصطناعي في غزة ولبنان وعن زيادة كبيرة في استخدام النماذج الجاهزة أثناء الحرب للنّسخ والترجمة والبحث في مخازن الاستخبارات. وبحسب الأبحاث فإن نماذج الذكاء الاصطناعي (في هذه الحالة، من مايكروسوفت) المصممة أساسًا للاستخدام المدني كانت تُستخدم على نطاق واسع لأغراض عسكريّة. صورة: لقطة شاشة، وكالة أسوشيتد برس
كما أفاد تحقيق مشترك مختلف أجرته صحيفة الغارديان، ومجلة +972، ومجلة “لوكال كول” أن ملفّاتٍ صوتيّة لملايين المكالمات الهاتفيّة الفلسطينيّة تم تخزينها على منصة مايكروسوفت/أزور، واستُخدمت من هناك للتّخطيط لضربات جويّة واعتقالات. ومنذ ذلك الحين، قالت مايكروسوفت إنها حظرت بعض الاستخدامات الإسرائيلية لتقنيتها، لكن الضرر قد وقع وسُجِّلتْ السّابقة.
الأمرُ لا يتعلق بشركةٍ غامضة أو غيرِ أخلاقية أو نكرة تتجاوزُ الخطوط الأخلاقيّة وتساعد عمليات قتل المدنيين. بل إن الأنظمة التجارية العالمية جزء من البنية التحتية التشغيلية لتقنية المعلومات التي تمكِّن الحروب. الخط الفاصل بين المنتجات التقنية المدنية واستخداماتها العسكرية بات أرفع مما كان عليه في أي وقت مضى.
الاستخدام المزدوج للتقنية يجعل المشهد أكثر غموضًا. يعرِّف مكتب الصناعة والأمن الأمريكي عنصر الاستخدام المزدوج بأنه عنصر له استخدام مدني إلى جانب الاستخدام العسكري أو المرتبط بالأسلحة. فعلى سبيل المثال، الدوائر المتكاملة عالية الأداء هي عناصر مزدوجة الاستخدام لأنها تشغل مراكز البيانات المدنية مع تمكين أنظمة الحوسبة العسكرية المتقدمة. تحذر إرشادات المفوضية الأوروبية بشأن صادرات المراقبة السيبرانية من أن العناصر التي لها وظائف مدنية شرعية (مثل تحليلات جهاتِ إنفاذ القانون أو مراقبة الشبكات) يمكن إعادة استخدامها، وبالتالي “تشكّل خطرا في أن يتمّ استخدامها في القمع الداخلي أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في الدولة المستورِدة.”
بعض المنتجات تستخدم استخدامًا مزدوجًا بالصّدفة، لكن البعض الآخر يتم تسويقه عمدًا في كلا المجالين لأن الإيرادات المدنية تدعم البحث والتطوير الدفاعي وتخفف من المخاطر على سمعة الشركات المصنِّعة. على سبيل المثال، تفيد Tech Policy Press أن بعض أكبر شركات الذكاء الاصطناعي تستخدم حتى الوفود الإغاثية للاستفادة من البيانات والمراقبة وأنظمة تكنولوجيا المعلومات التي يمكن استخدامها أيضا في عمليات الاستهداف والاستخبارات العسكرية.
سلسلتان، قصة واحدة
من أين نبدأ التحقيق إذن؟ أفضل نقطة بداية هي النظر في أمرين منفصلين.
أولاً، لدينا سلسلة القيادة: منْ قرّر أن تتمّ العملية؟ إنها هيكل قيادة يمر عموديًا عبر ضبّاط عسكريين، ومحامين، وقادة ألوية، ووزراء سياسيين. تكمن في جوهرها قواعد الاشتباك، أو يجب أن تكمن في جوهرها، وآليات حماية المدنيين، وقضية التّناسُب في الحرب (لمزيد من المعلومات عن التّناسب القانوني وهياكل القيادة، اقرأ دليل GIJN لتقرير جرائم الحرب). في النهاية، هذه السلسلة القيادية تخول القنابل والرصاص التي تقع في قلب معظم تقارير الحرب الاستقصائية. ويجب أن تكون هذه السلسلة القيادية، نظريًا، منيعة نسبيًا ضد التكنولوجيا الجديدة التي تتشكل حولها. لكن سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن التقنيات المحسَّنة لا تشكِّل أوامر القتل وتكتيكات ساحة المعركة. لكن إثبات ذلك هو التحدي.
ثانيا، هناك سلسلة الأنظمة: يجب على الصحفيين التحقيق في الصّلات والرّوابط الرقمية التي جعلت قرارات الاستهداف ممكنة. يعمل هذا النظام عبر مزودي خدمة التخزين السحاب، وشركات الاتصالات، ومشغلي المنصات، والمتعاقدين الفرعيين، ومختبرات الأبحاث الجامعية والشركات، ووسطاء البيانات، والمصدِّرين، وشركات الخدمات اللوجستية، وربما الأهم من ذلك، المستثمرين، وصناديق رأس المهام، ووسائل الثروة السياديّة، وشركات التّأمين التي جعلت رؤوس أموالهم كل ذلم ممكنًا من البداية. هذه السّلسلة أكثر غموضًا بكثير.
يصبح التمييز أوضح في التطبيق العملي. على سبيل المثال، فعند التّحقيق في العمليّات العسكريّة الإسرائيلية في غزّة، تتبّعتْ كلتا السلسلتين في نفس الوقت. تتعلّق سلسلة القيادة بمن أعطى الإذن بشنّ ضربات معيّنة، وكيف أجريت تقييمات التناسُب، ومن هم الضباط الذين وافقوا على قرارات الاستهداف. تطرح سلسلة الأنظمة مجموعة مختلفة من الأسئلة: أي منصات سحابية خزنت المعلومات الاستخباراتيّة، أيّ أنظمة الذكاء الاصطناعي ساعدتْ في معالجتها، أيّ الشركات زوّدت بالبرمجيّات، أين تمت استضافة البنية التحتية، ومن موّلها أو تولّى صيانتها. تكشف هاتان السلسلتان معًا عن كيفية تفويض الهجوم، وعن الأمور التقنية التي سمحت له بأن يحدث. تحتاج التحقيقات الحديثة إلى تتبُّع كلا النوعين.
أركان الحرب التكنولوجية
لاختراق هذا الغموض، يمكن تقسيم الصراع الحديث بشكل مفيد إلى خمسة أركان ضمن سلسلة الأنظمة. لا تخضع لترتيب زمني، ولكنها ترتبط ببعضها ارتباطًا وثيقًا.
- الأسلحة والمكونات
- البنية التحتية
- معلومات
- المراقبة
- أنظمة دعم القرارات المؤتمتة
كما هي الحال اليوم: تعتمد الأسلحة على البنية التحتية، والبنية التحتية تتيح تدفُّق المعلومات، وأنظمة المعلومات تغذّي أجهزة المراقبة، والمراقبة تحدّد معالم الاستهداف، بينما تعجّل أنظمة دعم القرار الآلية في نشر الأسلحة.
أي تقرير متعمق في سلسلة الأنظمة سيتعين عليه النظر في عدة أنظمة، إن لم يكن في جميعها.
الأسلحة والمكونات
الأجهزة لا تزال مهمة، وفي بعض النواحي يُعدُّ التحقيق فيها أسهل من التحقيق في البرمجيات. كلما اقترب التحقيق من الأجهزة المادية، زادت الأدلة وضوحًا.
الحطام، الأرقام التسلسليّة، رموز الجمارك، المناقصات، علامات المكوّنات، قطع التدريب، ومطبوعات المصنع كلها تترك وراءها آثاراً تمنحك فهماً أعمق للبصمة الرقمية الفاعلة في أرض المعركة. لذا، اجمع أو قم بتصوير وفهرسة كل رقم تسلسلي، ورمز دفعة، ومعرِّف جمارك، وشعار مُصنِّع، والعلامة التقنيّة التي يمكنك العثور عليها لبقايا ساحة المعركة في أي موقع يهمك (مثل مدرسة أو مستشفى تم قصفها). يمكن أحيانا مطابقتها مع سجلات الشراء، التصريحات الجمركية، قوائم الشحن، براءات الاختراع، ورخص التصدير.

شظية صاروخ AGM-114 هيلفاير أمريكية الصنع تظهر لوحة العلامة والرقم التسلسلي في موقع حفرة في غزة. صورة: شاترستوك / أنس محمد
اطرح خمسة أسئلة عن كل مكوِّن: من صنعه، من باعه، من شحنه، من دفع ثمنه، ومن أذَن بتصديره؟
ابحث في قاعدة بيانات نقل الأسلحة التابعة لـ SIPRI عن معلومات حول العمليات الكبرى لنقل الأسلحة، وقاعدة بيانات صناعة الأسلحة التابعة للحصول على معلومات الشّركات، وقاعدة بيانات الأمم المتحدة Comtrade للحصول على سجلات التجارة الدولية. في كثير من الحروب، لن تكون هناك أنظمة يمكن تتبّعها، لكنها نقطة يمكن البدء منها.
يمكن لبوّابات مراقبة التصدير الحكومية، بما في ذلك قاعدة بيانات ضوابط التصدير الاستراتيجية في المملكة المتحدة، وسجلات الاستخدام المزدوج والعقوبات في الاتحاد الأوروبي، وقواعد بيانات مراقبة التصدير الأمريكية، أن تكشف عن قرارات الترخيص والمستخدمين النهائيين المعلَنين. يمكن لمنصات الشراء مثل TED (المناقصات اليومية الإلكترونية للاتّحاد الأوروبي)، وسجلات العقود الوطنية، وبوّابات المشتريات الدّفاعية أن تكشف عن علاقات الشراء. يمكن للسجلات المؤسسيّة المتاحة عبر OpenCorporates، ومكتب الشركات البريطانية، وقاعدة بيانات EDGAR التابعة لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، وغيرها، تحديد هياكل الملكية والشركات التابعة والمسارات الماليّة.
قد تمنحك قواعد بيانات الشحن وسلاسل التوريد مثل ImportYeti وPanjiva وImportGenius ومنصات التتبع البحرية التجارية ميزة في تسمية الموردين الرقميين، والوسطاء، وأنظمة دعم البرمجيات.
إذا لم تهتدِ إلى أي شيء، جرِّب البحث في قاعدة بيانات ALEPH التّابعة لـ OCCRP، وملفات المحاكم الوطنية، وقوائم العقوبات، وحتى الإفصاحات عن جماعات الضغط فقد تعطيك أحيانًا خيوطا إضافية للتحقيق.
وفي الوقت نفسه، غالبًا ما يكون المصنِّعون أنفسهم أفضل مصدر. تنشر شركات الدّفاع بشكل روتيني كتيبات المنتجات، وعروض المستثمرين، والتّقارير السنوية، وكتالوجات المعارض، والمواصفات التقنيّة، والبيانات الصحفية التي تحدد أماكن اختبار أو عرض أو بيع الأنظمة.
إذا استطعت، اذهب إلى معرض أسلحة، مثل معرض باريس الجوي، ومعرض DSEI، ومعرض فارنبورو الدولي الجوي، وخذ كيسًا كبيرة. حيث يمكنك أن تحصل هناك على الكتالوجات والمواد الترويجية وحتى إعلانات العقود التي قد يكون صعبًا، إن لم يكن مستحيلاً، العثور عليها في مكان آخر أو على الإنترنت. وإذا لم تتمكن من العثور على ما تبحث عنه، تذكر أن خدمات الأرشيف مثل Wayback Machine التابعة لـ Internet Archive يمكنها استعادة الادعاءات التسويقية المحذوفة ومعلومات المنتجات.
مثال على قصة أنجزتُها أنا سنة 2026 وأخذت فيها صورة لضربة صاروخية ورددتُها إلى أصلها في تحقيق “العمل ضد العنف المسلح” ، حيث كان صاروخ توماهوك الذي هاجم مدرسة البنات في ميناب، إيران، يتكون من مكونات رقمية يمكن أن تدلّنا على تورّط شركات تصنيع بريطانية. لمزيد من المعلومات حول تجارة الأسلحة، اقرأ هذا الفصل في دليل جرائم الحرب الخاص ب GIJN.
البنية التحتية
بعد النظر في الأضرار الظاهرة، انتقل إلى البنية التحتية الرقميّة التي تبقي آلة الحرب دائرة. انظر إلى الخدمات السحابيّة، وشبكات الاتصالات، والإنترنت عبر الأقمار الصناعية، ومراكز البيانات، والكابلات البحريّة، فكلّها موارد تعتمد عليها العمليات في أيّ حرب.
وبشكل متزايد باتت هذه البنية التحتية نفسها هدفًا من أهداف الحرب. فالهجمات على أنظمة الاتصالات مثلاً، آخذة في الازدياد. ويرى ائتلاف “كيب إت أون” التابع لمنظمة “أكسس ناو” أن قطع الإنترنت يلحق أضرارًا محدّدة بحقوق الإنسان، إذ يتيح “التستّر على الفظائع أثناء النزاعات، وقمع الاحتجاجات، أو إسكات المواطنين خلال أحداث وطنية مهمّة كالانتخابات”. وقد وثّق مشروع رصد انقطاع الإنترنت التابع للمنظمة مئات الحالات حول العالم، تزامن كثير منها مع انتهاكات جسيمة.
وتكشف الحروب الحالية عن مزيد من حالات التواطؤ في تعطيل البنية التحتية الرقميّة. فقد كشف تحقيق نشرته وكالة “رويترز” عام 2025 أن “إيلون ماسك” أمر بنفسه مهندسي “سبيس إكس” بوقف تغطية “ستارلينك” خلال الهجوم الأوكراني المضاد في “خيرسون” عام 2022، فتسبّب في انقطاع الاتصالات في ساحة المعركة، وعطّل العمليات الأوكرانية وأثار الذعر. لم يردّ “ماسك” على طلبات “رويترز” للتعليق، لكنه كتب على منصة “إكس”: “مستحيل أن نفعل شيئا من هذا القبيل”. وفي غزّة وغيرها، أفادت قناة الجزيرة عام 2023 بأن القوات الإسرائيلية تعمّدت استهداف البنية التحتية الرقميّة المدنية، وقصفت أبراج الاتصالات التابعة لشركات فلسطينية مثل “جوّال” و”بالتل”. ومن الأمثلة الأخرى قطع كابل في البحر الأحمر، والهجوم السيبراني الروسي على أكبر مشغّل اتصالات في أوكرانيا ووزارة العدل الأوكرانية.
والبيانات عنصر أساسي آخر في البنية التحتية الرقميّة. وكما يقول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: أصبحت البيانات الآن خطّ التماس في الحرب. يوضح تقريرُ المركزِ كيف أصبحت مراكز البيانات أهدافًا جديدة في الحروب، وكيف قد تترتّب على استهدافها نتائج غريبة لكنها ذات دلالة. فقد ذكرت صحيفة “جيروزاليم بوست” عام 2026 أن الضربة التي أصابت مركز بيانات البنك الإيراني عطّلت صرف رواتب أفراد الجيش الإيراني.
اطرح الأسئلة مرة أخرى: أيّ جهة حكومية طلبت ذلك؟ هل حدث انتهاك للقانون؟ وما الثمن الفعلي الذي دفعه المدنيون (مِن تعطّلِ الخدمات الطبية، وانقطاع اتصالات الطوارئ، وتعذّر التنسيق الإنساني، إلى عجز العائلات عن معرفة أماكن أقاربها النازحين؟) منْ يملك شبكات نقل البيانات والأقمار الصناعية وسائر عناصر البنية التحتية؟ وما هي أجزاء البنية التحتية التابعة للقطاع الخاص التي لم تعد الجيوش قادرةً على الاستغناء عنها؟
يمكن تتبّع حالات قطع الإنترنت من خلال مشروع رصد انقطاع الإنترنت التابع لمنظمة “أكسس ناو”، والمرصد المفتوح للتدخّل في الشبكات، و”كلاودفلير رادار”، و”نت بلوكس”. ويمكن غالبًا العثور على سجلاتِ ملكيةِ مزوّدي خدمات الاتصالات والإنترنت ومشغّلي مراكز البيانات عبر “أوبن كوربوريتس”، وسجلّ الشركات البريطاني، والإفصاحات المقدّمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، والجهات الوطنية المنظّمة للاتصالات.
يمكن البحث في ملكية الكابلات البحريّة ومساراتها باستخدام خريطة الكابلات البحريّة التابعة لشركة “تيلي جيوغرافي”. أمّا البنية التحتية للأقمار الصناعية، فيمكن تتبّعها من خلال الوثائق المقدّمة إلى الاتحاد الدولي للاتصالات والجهات الوطنية المنظّمة للطيف التردّدي، وإفصاحات الشركات. وغالبًا ما توثّق منظمات مثل معهد السلام السيبراني و”سيتيزن لاب” الأعطال التقنية والحوادث السيبرانية.
خصّص بعض الوقت لقراءة تحقيق “رويترز” بعنوان “الولايات المتحدة والصين تخوضان حربًا تحت الأمواج“، الذي تتبّع تنافس الحكومات وشركات التكنولوجيا على السيطرة على كابلات الإنترنت البحريّة. ما يكشفه التحقيق في الحقيقة هو كيف أصبحت بنية تحتية تبدو ظاهريًا ملكًا للقطاع الخاص موردًا استراتيجيًا في قلب الصراع الجيوسياسي الحديث. وإذا كنت مهتمًّا بالعلاقة بين الصراع والفضاء، فإن “تيم مارشال” يستكشف في كتابه “مستقبل الجغرافيا” مجال “سياسة الفضاء” الناشئ. ويرى أن البشرية دخلت سباق فضاء ثانيًا، ستزداد فيه أهمية السيطرة على الفضاء المداري وأراضي القمر والموارد خارج الأرض في تحديد موازين القوة الجيوسياسية. وهو كتاب يستحقّ القراءة.
وإذا بدا لك هذا من الخيال العلمي، فقد كشفت وثائق عسكرية روسية وصينية سرّية نشرها موقع “ذا إنسايدر” أن “موسكو” و”بكين” أقامتا شراكة دفاعية أعمق بكثير مما كان معروفًا. تشمل هذه الشراكة خططًا لتعطيل “ستارلينك” أو تدميره، وتطوير أنظمة متقدّمة للدفاع الجوي والصاروخي بصورة مشتركة، وتبادل الخبرة الروسية في ساحة المعركة الأوكرانية مقابل التكنولوجيا والقدرات التصنيعيّة الصينيّة. قد تكون حروب الفضاء أقرب مما نظنّ.

تتبّع تحقيق “رويترز” تنافس الحكومتين الأمريكية والصينية وشركات التكنولوجيا في البلدين على السيطرة على كابلات الإنترنت البحريّة. صورة: لقطة شاشة، “رويترز”
المعلومات: ساحة معركة يشارك فيها الجميع
قال “فرانسيس بيكون” قبل أكثر من أربعة قرون إن “المعرفة قوة“، وهي مقولة تزداد دلالتها في عصر أصبحت فيه المعلومات نفسها موردًا استراتيجيًا. فقد بات الناس يشاهدون الحرب ويوثّقونها وينقلون وقائعها ويتابعونها لحظة بلحظة، بطرق لم تعرفها البشريّة من قبل.
يقع نموّ وسائل التواصل الاجتماعي في قلب هذا التحوّل. ويصف الباحثون في المجمع العسكري المرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي بيئة جديدة “تتلاشى فيها الفوارق بين المقاتل والمدني والمحارب في ساحة المعلومات”. تنشر الأطراف المتنازعة موادها دقيقة بدقيقة، بينما تتحكّم المنصات في ما ينتشر على نطاق واسع، وما يقلّ ظهوره أو يحذف، وفي الحسابات التي يزداد انتشارها أو تعلّق.
كشف تقرير أصدره مركز الأعمال وحقوق الإنسان، وهي منظمة خيرية مقرّها بريطانيا، عام 2023، أن إسرائيل نشرت عشرات الإعلانات على “يوتيوب” و”إكس” تضمّ صورًا مروّعة، لكسب التأييد لردّها العسكري على هجمات حماس في أكتوبر 2023. وفي هذه الحالة، ساعدت المعايير التي تعتمدها المنصات لتحديد ما يسمح بنشره في إنجاح الحملة الإسرائيلية على وسائل التواصل الاجتماعي. لذا، لم تعد المنصات مجرّد قنوات تنقل المعلومات أثناء الحرب. فهي تحدّد ما يراه الجمهور، وما تستطيع الجيوش إنكاره، والروايات التي تكتسب حضورًا، ثم شرعية حين يُسمح لها بالبقاء.
وهناك أثر آخر أقلّ وضوحا. فقد تؤدّي خدمات الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها منصات مثل “يوتيوب” و”فيسبوك” لحماية المستخدمين من المحتوى العنيف إلى إتلاف أدلّة على جرائم حرب. وهذا ما حدث في أوكرانيا، بحسب تقرير نشرته “بي بي سي” في يونيو 2023، حيث حذفت مقاطع فيديو توثّق انتهاكات لحقوق الإنسان دون أرشفتها، رغم أنها كانت قد تفيد في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب.
للتحقيق في ساحة المعركة المعلوماتية هذه، عليك أن تتتبّع البيانات، وهي في الحقيقة وجه آخر للمال. ابدأ بقواعد بياناتِ شفافيّةِ المنصات، مثل مكتبة إعلانات “ميتا”، ومركز شفافية الإعلانات في “غوغل”، ومركز “تيك توك” الإبداعي. قد تساعدك هذه المصادر، إذا وجدت خيطًا مناسبًا، في معرفة من يدفع المال للترويج لروايات الحرب، وأيّ فئات الجمهور يستهدفها.
يمكنك بعد ذلك استخدام “أوسومينت” و”غيفي” لرسم خريطة انتشار الروايات عبر شبكات المؤثّرين أو وسائل الإعلام الحكومية أو الحسابات المجهولة. وللعثور على المحتوى المحذوف أو حفظ مواد قد تختفي لاحقًا، قد تفيدك أرشيفات “نيمونيك” و”بيلينغكات”، وخدمة “واي باك ماشين” التابعة لـ”أرشيف الإنترنت”. افحص تقارير شفافية المنصات في مركز شفافية “ميتا”، وتقرير شفافية “غوغل”، ومركز شفافية “إكس”، لمعرفة ما إذا كانت الحكومات تطلب حذف محتوى أو تقييد حسابات أثناء النّزاعات. وربما يكون ذا دلالة أن آخر تقرير لمركز شفافية “إكس” صدر عام 2024، رغم ما تعلنه المنصة من التزام بالتبادل الحرّ للمعلومات.
وللبحث في مسائل مثل التلاعب بالمحتوى باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومقارنة مقاطع الفيديو المحذوفة بنسخها المحفوظة، وغير ذلك من سبل تقييم أثر الذكاء الاصطناعي، ارجع إلى منظمات مثل “ويتنس”، ومختبر التحقيقات التابع لمركز حقوق الإنسان في جامعة “كاليفورنيا” في “بيركلي”، والأرشيف السوري. فلكلّ منها أرشيفات رقمية متنوّعة. وإذا كان لديك 90 ثانية، فإليك طريقة “بي بي سي” في معرفة ما إذا كان مقطع الفيديو مولّدًا بالذكاء الاصطناعي. وإن لم يكن لديك الوقت، فهي تبحث عن تناقضات بصرية، وتتحقّق من العلامات المائية المادية والرقمية، وتحاول الوصول إلى المصدر، أو تستعين بالخبراء.
المراقبة
يمكن القول إن المراقبة هي المجال الذي يصعب فيه أكثر من غيره الفصل بين خوض الحرب وبين أنشطة الدولة المعتادة في مراقبة السكان وجمع المعلومات الاستخباراتية، ويصعب فيه التحقيق في هذا التداخل. فقد تقدّم المكالمات المعتَرضة، والقياسات الحيوية، وتقنيات التعرّف على الوجوه، وحتى سجلات السكان، باعتبارها أدوات أمنية مشروعة ومبرّرة. لكنها قد تكون في الواقع جزءًا أساسيًا من عمليات الاستهداف أو الاحتجاز أو غيرها من أشكال السيطرة القسريّة، وقد تستخدم أيضًا لتحديد هويات القتلى. وقد حذّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تزايد اعتماد القوات المسلّحة على القياسات الحيوية، ومن اقتراب تقنيات التعرّف على الوجوه من الاستخدام في الاستهداف بساحة المعركة.
وقد تجد أيضًا أن أنظمة استُخدمت في بلد وارتبطت بأضرار، تُستخدم في بلد آخر وتُقدّم فيه على أنها مبرّرة. ومن الأمثلة تحقيق الجزيرة في توسيع الحكومة البريطانية استخدام الشرطة لتقنيات التعرّف على الوجوه بالذكاء الاصطناعي. توفّر هذه التقنيات عبر متعاقد فرعي، شركة “كورسايت إيه آي” الإسرائيلية، التي استخدمت القوات الإسرائيلية برمجياتها في غزّة، وقد أثار ذلك انتقادات من منظمات حقوقية، بسبب المخاوف على الخصوصية والحريات المدنية، وتعاون بريطانيا مع شركة مرتبطة بانتهاكات مزعومة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة. ولم يتلقّ صحفيو الجزيرة أيّ ردّ من الشركة الإسرائيلية.
تعمل أنظمة التعرّف على الوجوه برصد الوجوه في الصور أو مقاطع الفيديو، ثم استخراج بياناتها الحيوية لإنشاء “بصمة وجه” رياضية (mathematical faceprint) فريدة ومقارنتها بقواعد البيانات. وتشمل هذه العملية استخدام أنظمة لتبادل البيانات، تتيح للجهات المختلفة البحث عن مطابقات وطلبها عبر قواعد بيانات متعدّدة. تخيّل طائرة مسيّرة قاتلة تحوم في الجوّ، مزوّدة بهذا النظام ومحملة مسبقًا بقوائم تضمّ أسماء المطلوب قتلهم، تراقب الأرض تحتها بحثًا عن وجه يطابق بياناتها.
يمكن بسهولة تحويل هذه الأدوات الاستخباراتية من استخدام مشروع إلى وسيلة لإلحاق الضرر. فنظام قياسات حيوية صمّم خصيصا لضبط الحدود قد يعاد توظيفه لخدمة احتلال عسكري أو مراقبة تمييزية. ومنصة للشرطة التنبّؤية طوّرت لخدمة أجهزة إنفاذ القانون داخل بلد قد تُصدَّر إلى دولة أخرى تستخدمها لقمع حرية التّعبير.
ومن الأمثلة ما نشرته صحيفة “التايمز” البريطانية عام 2021 عن حصول شركة “نوكتيك” الصينية المتخصّصة في بيانات مراقبة الحدود على عقود بريطانية تزيد قيمتها على 12 مليون جنيه إسترليني، أي 16.3 مليون دولار أمريكي، لتوريد معدّات فحص للسجون والحدود. وقد استخدم المنتج نفسه في إجراءات رقابة مشدّدة على الحدود في “نيكاراغوا”، لرصد أسماء في قوائم ركّاب الرحلات الجوية ومنع صحفيين استقصائيين من الدخول، ومنهم، عزيزي القارئ، كاتبُ هذه السطور.
إذن، تتشارك البنى التحتية المستخدمة في العمل الشرطي وضبط الهجرة والاحتلال والحرب، في كثير من الأحيان، المورّدين والمهندسين أنفسهم، وتحمل التحيّزات نفسها المتأصّلة في بياناتها. وقد نشرت صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” تقريرًا عن نظام استهداف يدمج أنواع مختلفة من البيانات، من شبكات الاتصال اللاسلكي وكاميرات المرور إلى قواعد البيانات الحكومية ووسائل التواصل الاجتماعي، لتتبّع أعضاء حزب الله. يعتمد هذا النظام على قدرات حوسبة طوّرتها “أمازون” و”مايكروسوفت”، وعلى بيانات استُخرجت من منصّات تجاريّة.
ومرة أخرى، غالبًا ما يكشف تتبّع الأموال منْ يستخدم أيَّ تقنية. ويوضح التّحقيق في “بيغاسوس”، منصّة المراقبة المتطوّرة التي أنشأتها مجموعة “إن إس أو” الإسرائيلية، كيف يمكن لأساليب التّحقيق المختلفة أن يدعم بعضها بعضًا. فقد أثبت مشروع “بيغاسوس” الأوسع، الذي تقوده منظمة “فوربيدن ستوريز” بالتعاون مع مختبر الأمن التّابع لمنظمة العفو الدولية وشركاء إعلاميين، من خلال التحليل الجنائي الرقمي، أن البرمجية استُخدمت لاختراق هواتف صحفيين ونشطاء وسياسيين في دول متعدّدة. وبناء على ذلك، طابق تحقيق لمشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد سجلات الاستيراد وبوالص الشحن مع مواصفات أجهزة تتوافق مع متطلّبات تشغيل “بيغاسوس”. قد لا يستطيع الصحفيون دائما إثبات تشغيل برمجيات مملوكة لشركات بصورة مباشرة، لكن سجلات المشتريات والوثائق الجمركيّة والعقود وشحنات الأجهزة قد تقدّم، مجتمعةً، أدلّةً مقنعةً على اقتناء تقنيات للمراقبة.
طابق تحقيقُ “مشروعِ الإبلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد” سجلات الاستيراد وبوالص الشحن مع مواصفات أجهزة تتوافق مع متطلّبات تشغيل “بيغاسوس”. صورة: لقطة شاشة، مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد
لذا، كما في المجالات السابقة، من الأفضل البدء بمسار المشتريات عند التحقيق في أنظمة المراقبة المستخدمة في النزاعات. ابحث في بوابات المشتريات مثل “تيد”، وهي بوابة المناقصات الإلكترونية اليومية، وبوابة البحث عن العقود البريطانية، و”يو إس إيه سبندينغ”، وفي قواعد البيانات الجمركية مثل “إمبورت جينيوس” أو “بانجيفا”، لمعرفة من اشترى تقنيات المراقبة، ومتى سُلّمت، وأيّ شركات وفّرتها. وللبحث في أنظمة التعرّف على الوجوه والقياسات الحيويّة، افحص براءات الاختراع التقنية عبر “غوغل” لبراءات الاختراع، أو راجع الأدلّة التي جمعتها جهات مثل مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية.
اسأل: من أنشأ قاعدة البيانات؟ أين تُحفظ البيانات؟ وأيّ جهات تستطيع الوصول إليها؟ هل انتقل النظام يومًا من تحديد الهوية إلى الاستهداف؟ ابحث عن أدلّة الاستخدام التقنية، وطلبات براءات الاختراع، وتراخيص التصدير، وأشكال التواصل مع المستثمرين، فقد تترك هذه المواد آثارا رقمية تقودك إلى مصدر الضرر. ابحث، باختصار، عن الثّغرات التي يمكن أن تدلّك على أي شيء.
ومن المفيد أيضا الاطّلاع على اتّفاق “فاسينار”، وإرشادات المفوضية الأوروبية بشأن المراقبة السيبرانية، ولوائح إدارة التصدير الأمريكية. فهي توضّح ما يصنّف رسميًا ضمن المنتجات مزدوجة الاستخدام، والحالات التي يفترض فيها أن يراعي المصدّرون مخاطر القمع وانتهاكات القانون الدولي الإنساني.
القرارات المؤَتْمَتة
كما سبق، تزايد استخدام أنظمة اتّخاذ القرار المؤَتْمتة في الحروب خلال العقد الماضي. وغالبًا ما كان ذلك يُبرّر بحجّة أنها تحسّن دقّة الاستهداف وتقلّل الخسائر في أرواح المدنيين. لذا، تحقّق: هل هذا صحيح؟ واسأل أيضا: ما الأثر الفعلي لهذه البرمجيات على وتيرة الحرب؟ هل ترفع سقف العنف الذي نتقبّله؟ وكيف تؤثّر في إحساسنا بإنسانيتنا، وفي المسؤولية الأخلاقية لمن يتّخذون قرارات تتعلّق بالحياة والموت؟
توفّر التّحقيقات الحديثة نقاط بداية مفيدة. فقد أشارت تحقيقات مجلة “+972” وموقع “لوكال كول” بشأن ما أوردته عن استخدام الجيش الإسرائيلي أنظمة ذكاء اصطناعي مثل “لافندر” و”ذا غوسبل” إلى أن الاستهداف بمساعدة الآلة سرّع اتخاذ قرارات شنّ الضربات بدرجة كبيرة، وأثار تساؤلات عن مدى وجود رقابة بشريّة فعليّة. وقد رفضت إسرائيل الادّعاءات بأن الذكاء الاصطناعي يختار الأهداف بصورة مستقلّة، وقالت إن هذه الأنظمة تقتصر على مساعدة المحلّلين البشر. وبالمثل، أصبح مشروع “مافن” التابع للجيش الأمريكي محورًا للنّقاش بشأن أتْمَتة الحرب. فهو يستخدم التعلّم الآلي لتحليل صور الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية وتقليص المدة بين رصد الأهداف واستهدافها، مما يثير تساؤلات أوسع عن المساءلة مع التسارع المستمرّ لسلسلة القتل.
وحذّر باحثون في جامعة “أوتريخت” أيضا من أن هذه الأنظمة قد تقلّص الوقت المتاح لتقييم التَّناسُب والمراجعة القانونية ضمن هياكل القيادة العسكرية. فالحرب التكنولوجية توزّع المسؤولية بين أطراف متعدّدة، دون أن تقلّل قدرتها على القتل. وكما ترى “لورين غولد” من جامعة “أوتريخت”، تصبح حدود المسؤولية غامضة: “تقول الشركات التجارية التي تطوّر هذه الأنظمة إنها لا تتحكّم في كيفية استخدام تقنياتها، وكثيرًا ما تُنكر الحكومات استخدامها من الأساس”. يحيل الضباط العسكريون إلى الإجراءات، وتنفي الشركات تحكّمها في العمليات، وتنكر الحكومات استخدام هذه الأنظمة تحت ستار السرّية. ويطمئنك الجميع إلى أن إنسانًا ما لا يزال، رسميًا، طرفًا في عملية اتّخاذ القرار، لكنك لا تحصل أبدًا على اسم هذا الشخص أو رتبته ضمن سلسلة القتل. وربما يكون من الدالّ أن بعض الجيوش الغربية لا تضمّ وحدات رسمية معنية بالخسائر في صفوف المدنيين.
لذا، لا تقتصر مهمّة الصحفيين على وصف التقنيات العسكرية الجديدة، بل تشمل التحقيق في الفجوة بين النتائج التي تعد بتحقيقها وآثارها الفعلية. وكما يوضح دليل الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية لتغطية جرائم الحرب، يبقى التّدقيق في الأضرار التي تلحق بالمدنيين ومسؤولية القيادة وممارسات الاستهداف ضروريًا، مهما بدت التقنية متقدّمة.
أفادت صحيفة “الغارديان” بأن الجيش الأمريكي استخدم أداة الذكاء الاصطناعي “كلود” التابعة لشركة “أنثروبيك” في سلسلة ضربات ضدّ إيران “تختصر سلسلة القتل”. صورة: لقطة شاشة، “الغارديان”
بدأت آثار هذا التحوّل تظهر بالفعل. فقد أفادت صحيفة “الغارديان” أيضًا بأن الجيش الأمريكي استخدم “كلود” التابعة لشركة “أنثروبيك” في سلسلة ضربات “تختصر سلسلة القتل” (أي العملية الممتدّة من تحديد الهدف إلى الحصول على الموافقة القانونية ثم إطلاق السلاح). وكما قال “كريغ جونز” و”هيلين إم. كينسيلا” من جامعة “نيوكاسل”: “قبل عقدين، كان من السهل الاستخفاف إن قيل إن عصر الحرب السيبرانية المقبل قد يأتي بالقصف بسرعة التفكير، وهي عبارة صاغها المؤرّخ الأمريكي “نيك كولاذر” عام 2003. لكن مع ظهور الحروب التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بات ما كان يستعصي على التصوّر يبدو اليوم أقرب إلى فكرة عفا عليها الزمن”.
وسيستمرّ هذا التسارع. فالتطوّرات الجديدة، مثل واجهات الربط بين الدماغ والحاسوب التي تطوّرها “سيريبيونيكس”، تعني أن نشاط الدماغ نفسه بات يفكّ ويحوّل مباشرة إلى أوامر للآلة. حتى الفكرة قد تتحوّل إلى أمر بالقتل، في هذا العالم الجديد الذي لا يبدو شجاعًا.
ومرة أخرى، يمكن للصحفيين التحقيق في هذا الجانب عبر إعلانات المشتريات والبيانات الترويجية. فصفقات الدفاع، مثل مشروع “مافن” التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، قد توفّر نقطة بداية للبحث. وقد فازت “بالانتير” بعقد قيمته 480 مليون دولار أمريكي لتطوير نموذج أولي لمشروع “مافن” التابع لوزارة الدفاع، وأكّدت لاحقا أن برمجياتها تستخدم في الاستهداف في أوكرانيا. ولاحظ أيضا أن شركة الذكاء الاصطناعي “أنثروبيك” حذّرت علنًا من مخاطر الأسلحة ذاتية التشغيل والمراقبة الجماعية، رغم سعيها للعمل في المجال الدفاعي. في المقابل، أبرمت “أوبن إيه آي” لاحقًا اتّفاقًا مع الحكومة الأمريكية يهدف إلى ضمان عدم استخدام أنظمتها لأيّ من هذين الغرضين. قد يفتح هذا بابًا للوصول إلى مبلِّغين عن المخالفات وتسريبات بدافع أخلاقي داخل هذه الشبكات، لكن لا تعلّق آمالاً كبيرة على ذلك. فكما ترى “تيك بوليسي برس”، فإن عبارة “جميع الاستخدامات المشروعة” فضفاضة إلى حدّ لا يسمح لها بأداء الدور الأخلاقي الذي تريده الشركات. ونادرًا ما توضّح العبارة منْ يقرّر ما هو مشروع، وكيف يقيّم الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وما آليات المساءلة حين تكون هذه المعايير محلّ خلاف.
من الحادثة إلى النظام: ما هي التحقيقات النّافعة؟
في النهاية، قد يكون التحقيق في آليات عمل الحرب المعتمدة على التكنولوجيا أقلّ إثارة بكثير من صور “الروبوتات القاتلة” ذاتية التشغيل في الخيال العلمي، لكنه يصل إلى جوهر المسألة بصورة أكثر مباشرة. مهمّة الصحفي هي الانتقال من واقعة صادمة إلى النظام التقني الذي تسبّب في الضرر. اسأل: ما الانتهاكات التي يُحتمل أنها وقعت؟ وهل تجاوزت الحادثة حدود ما يسمح به القانون الدولي الإنساني؟ ثم تتبّع المسار من النهاية إلى البداية.
ما النظام التقني الذي يقف وراء الحادثة؟ هل استخدمت قاعدة بيانات للاستهداف؟ وما تقنيات التعرّف على الوجوه التي استُخدمت؟ هل جرت عمليات تصدير أو استيراد، وهل مرّت شحنات عبر الجمارك؟ لا ينكشف الكثير من هذه البنية التحتية إلا من خلال المشتريات. لذا، ينبغي للصحفيين الذين يحقّقون في التكنولوجيا العسكرية أن يعرفوا الاتّفاقيات الإطاريّة وأوامر التّسليم وهياكل التّعاقد من الباطن، لأن أهمّ العلاقات المتّصلة بالعمليات غالبًا ما تكون مخفيّةً في تفاصيلها.
قد يقتصر العقد الإطاري على إرساء علاقة بين وزارة وشركة تكنولوجيا، بينما تظهر التفاصيل المتّصلة بالعمليات لاحقًا في ملاحق الخدمات السحابيّة أو اتّفاقيات الصيانة أو عقود الاستشارات. وقد تكشف طلبات الحصول على المعلومات تفاصيل منظومة المشتريات.
اتّخذ تحقيق منظمة “المادة 19” قطع الإنترنت في إيران في يناير 2026 نقطة بداية، وأظهر كيف يكشف تتبّع المشتريات هياكل السلطة الكامنة ومسؤولية الدولة والشركات. تناول التحقيق دور الصين في عمليات القطع غير المسبوقة التي نفّذتها السلطات الإيرانية عقب احتجاجات ديسمبر 2025. وبتتبّع السلسلة من الاتّفاقيات التجارية بين الدول إلى طريق الحرير الرقمي، ثم إلى شركات صينية مثل “هواوي” و”زد تي إي”، كشف التحقيق دور الصين المحوري في سيطرة إيران على الإنترنت.
ومن الأمثلة الأخرى تقارير وكالة “أسوشيتد برس” عن احتجاجات الموظفين داخل “مايكروسوفت” و”غوغل”. بدأ التحقيق من هذه الاحتجاجات، التي قادت الصحفيين إلى خيوط قدّمها موظفون حاليون وسابقون، وانتهى إلى أدلّة أثارت تساؤلات عن انتهاك الشركات التزاماتها بحقوق الإنسان. صحيح أن الموظفين الناشطين ليسوا شهودًا محايدين، لكنهم قد يطّلعون على مواد قيّمة، منها لقطات شاشة ووثائق داخلية ورسائل إلكترونية وسجلات مشتريات يمكن التحقّق منها بصورة مستقلّة. وبصورة أوسع، ينبغي للصحفيين الذين يحقّقون في التكنولوجيا العسكرية أن يبحثوا عن مصادر تتجاوز المصادر التقليديّة. فالمبلّغون عن المخالفات والمتعاقدون السابقون ومسؤولو المشتريات والباحثون في المصادر المفتوحة والمتخصّصون التقنيون، جميعهم قد يقدّمون خيوطًا قيّمة.
وقد تكشف مجموعات البيانات المسرّبة التي تنشرها منظمات مثل “دي دي أو سيكريتس”، ومنصات الإبلاغ الآمنة مثل “بي إس إس تي”، عن علاقات مرتبطة بالمشتريات ومراسلات داخلية ووثائق تقنيّة كانت ستبقى مخفية. ويجب دائمًا دعم هذه المواد بأدلّة أخرى قبل النشر. وفي الوقت نفسه، قد تعرّض هذه التحقيقات المصادر لمخاطر قانونية وشخصية كبيرة. لذا، ينبغي للصحفيين اعتماد ممارسات متينة لحماية المصادر منذ البداية، باستخدام اتصالات مشفّرة، وتقليل المعلومات التي قد تكشف هوياتهم، وفهم الحماية القانونية والقيود السارية في بلادهم.
يجب أن تستجيب الصحافة، بمزيد من التدقيق في الأدلّة، والفهم التقني، والاستعانة بتخصّصات متنوّعة. تتبّع سلسلة الضرر إلى القرارات والعقود والشيفرات البرمجية والمؤسسات التي جعلته ممكنًا.
ومن الأمثلة البارزة أيضا تحقيق “فولو ذا ماني” في صناديق التقاعد “الأخلاقية”، الذي بدأ بوثائق مسرّبة عن إعداد التقارير باستخدام قواعد البيانات. يكشف التحقيق سلسلة الروابط بين أموال المستثمرين وانتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة.
ما يجمع هذه التحقيقات هو صرامتها. فقد قارنت شهادات الشهود بسجلات المشتريات، وسجلات المشتريات ببيانات التجارة، وبيانات التجارة بأدلّة نشر الأنظمة واستخدامها، وبيانات الشركات بوثائقها الداخلية والمواصفات التقنية والتسلسل الزمني للأحداث.
وبذلك، عوّض كلّ مصدر عن أوجه القصور في المصادر الأخرى. وأتاح هذا للصحفيين تجاوز حدود واقعة مروّعة منفردة، لكشف الأنظمة والمؤسسات والعلاقات التجارية التي تجعل العنف المعتمد على التكنولوجيا ممكنًا.
ماذا بعد
لم يعد التحدّي أمام الصحفيين الاستقصائيين ومراسلي الحروب يقتصر على توثيق العنف، بل بات يشمل فهم الأنظمة التي تنتجه. ومع تزايد اعتماد الحروب على التكنولوجيا التجارية والبنية التحتية السحابيّة وأنظمة البيانات والذكاء الاصطناعي، تتوزّع المسؤولية بين الدول والجيوش وشركات التكنولوجيا والمتعاقدين من الباطن والمموّلين. وهكذا، يصبح تتبّع المسؤولية أصعب، ويصبح تنصّل كلّ طرف منها أسهل.
يجب أن تستجيب الصحافة لهذا التحوّل بمزيد من التدقيق في الأدلّة، والفهم التقني، والاستعانة بتخصّصات متنوّعة. تتبّع السلسلة من الضرر إلى القرارات والعقود والشيفرات البرمجية والمؤسسات التي جعلته ممكنًا. فما دام وقوعه قد أصبح ممكنًا، فمن شبه المؤكّد أنه سيتكرّر. وفي عصر الحرب التكنولوجية، قد لا تكون أهمّ قصة هي الضربة نفسها، بل النظام الذي أتاحها ويبدو أنه سيتيح تكرارها مرة بعد أخرى.
“إيان أوفرتون” صحفي استقصائي بريطاني وكاتب وناشط في حقوق الإنسان. يشغل منصب المدير التنفيذي لمنظمة العمل ضدّ العنف المسلّح، وهو أستاذ مشارك في جامعة “سواس” في “لندن”، حيث يشرف على مسار ماجستير الصحافة الاستقصائية وحقوق الإنسان. حاز على جائزة “بيبودي”، وشغل سابقًا منصب مدير التحرير في مكتب الصحافة الاستقصائية. وهو مؤلّف كتاب “غن بيبي غن”، الذي يستكشف ثقافة السلاح حول العالم، وكتاب “ثمن الجنّة”، الذي يتناول تاريخ التفجيرات الانتحارية وأثرها في النزاعات المعاصرة. ويحمل درجة الدكتوراه من جامعة “بورتسموث” استنادًا إلى أعماله الصحفية في تغطية النزاعات.