شارك باتريك رادن كيف أيضاً كمتحدث في قمة "Truth Tellers" (صنّاع الحقيقة) في لندن هذا الشهر. الصورة: Truth Tellers، قمة السير هاري إيفانز للصحافة الاستقصائية.
بقلم إميليا ويشنيفسكي – مايو/أيار 2026
عندما يعثر الصحفي الاستقصائي باتريك رادن كيف على قصة، فإنه لا يتركها بسهولة. يتحدث إلى كل شخص يمكنه الوصول إليه حتى لا يبقى أحد لم يقابله. يبحث عن الوثائق والأدلة للتحقق من الادعاءات، ويقضي وقتًا طويلًا في التفكير ببنية القصة وطريقة سردها
ومع ذلك، يعترف بأنه يميل إلى أن يكون “هاويًا فضوليًا”؛ فهو يريد أن يعرف كل ما يمكن معرفته عن موضوع ما، لكنه يريد أيضًا أن يكون قادرًا على مغادرته بمجرد انتهاء العمل .
كيف خلال مؤتمر “قوة السرد” الذي نظمته جامعة بوسط في مارس/آذار الماضي قال ان
“أفضل شعور هو أن تكتب عشرة آلاف كلمة ثم تقول لنفسك: هذا كل ما سأقوله عن هذا الموضوع طوال حياتياذ
لكنه أضاف أن هناك أربع مرات فقط خلال عشرين عامًا من العمل وصل فيها إلى نهاية قصة وشعر بأنه غير مستعد للانتقال إلى موضوع آخر.
كانت المرة الرابعة قصة زاك بريتلر، الشاب البالغ من العمر 19 عامًا، الذي عاش حياة مزدوجة سرية في لندن قبل أن يسقط من شرفة شقة إلى نهر التايمز ويفارق الحياة عام 2019.
كتب كيف عن الوفاة الغامضة لزاك والتحقيق الذي أجرته عائلته لمعرفة ما حدث في مقال نشرته مجلة “ذا نيويوركر” عام 2024، ثم وسّع القصة لاحقًا في كتابه الجديد “سقوط لندن”، الذي صدر في 7 أبريل/نيسان 2026.
خلال حواره مع مارك أرمسترونغ، محرر(نيمان ستوري بورد) استعرض كيف تجربته في إعداد الكتاب، مقدّمًا أربع نصائح مهمة للصحفيين
قابل المصادر دون شروط مسبقة
تعرف كيف على قصة بريتلر أثناء حديث عابر مع شخص غريب، وهو أمر يفعله كثيرًا. ففي أثناء عمله في لندن على النسخة التلفزيونية من كتابه الشهير “قل لا شيء”، أخبره أحد معارف المخرج بقصة عائلة بريتلر.
عاد إلى منزله وحاول البحث عبر الإنترنت عن المعلومات التي سمعها، لكنه لم يجد شيئًا. ثم اكتشف لاحقًا أن العائلة كانت تتعمد الحفاظ على خصوصيتها وعدم التحدث إلى وسائل الإعلام أثناء التحقيق.
عندما تواصل مع والدي زاك، ماثيو وراشيل بريتلر، اقترح لقاءً في مقهى محلي “دون أي التزام من أي طرف”. وبهذه الطريقة، لن يضطروا للاستعداد لمقابلة رسمية، كما سيتمكن هو من تقييم ما إذا كانت القصة تستحق المتابعة.
يقول:
“في لقائنا الأول لم أخرج دفتر ملاحظاتي أصلًا، ولم أسجل شيئًا. كان مجرد حديث.”
وخلال ساعتين، روت العائلة قصتها كاملة. لم يكن هناك اتفاق رسمي بعد ذلك اللقاء، لكن الطرفين كانا يقتربان تدريجيًا من بناء الثقة، قبل أن يلتقوا مجددًا بعد أسبوع.
ويؤكد كيف أن الأشخاص الذين مروا بتجارب قاسية أو فقدان مؤلم غالبًا ما يكونون مستعدين لمشاركة قصصهم مع من يصغي إليهم باهتمام واحترام.
ويضيف:
“أعتقد أن الحديث عن الأمر كان مفيدًا لهم. وأعتقد أن رواية القصة تمنح أي شخص شعورًا جيدًا، خصوصًا إذا كانت قصة ظل يحتفظ بها لنفسه لفترة طويلة.”
2. الوصول إلى المصادر ليس كل شيء
يحظى مفهوم “الوصول” إلى المصادر بأهمية كبيرة في العمل الصحفي، لكن كيف يرى أن قيمته قد تكون مبالغًا فيها أحيانًا.
ففي هذه القصة، حصل على وصول كامل إلى عائلة بريتلر، وهو ما كان أساسيًا لإنجاز الكتاب. لكن شخصيات محورية أخرى رفضت التحدث إليه.
ويقول:
“مجرد أن بعض الأشخاص لا يريدون التعاون لا يعني أنك يجب ألا تكتب القصة. أحيانًا يجب أن تكتبها رغم ذلك.”
ويستشهد بمقاله المنشور في مجلة “ذا نيويوركر” عام 2018 عن منتج برنامج “ذا أبرينتس” مارك بورنيت، الذي رفض إجراء مقابلة معه، بينما وافقت زوجاته السابقات على الحديث.
أما في قضية بريتلر، فقد رفض أكبر شامجي، أحد الأشخاص الذين كانوا برفقة زاك ليلة وفاته، إجراء مقابلة أو لقاء شخصي، رغم أنه تبادل معه عددًا من الرسائل الإلكترونية. وانقطعت الاتصالات بعد أن أرسل له كيف وفريق التحقق في “ذا نيويوركر” أكثر من 230 سؤالًا للتدقيق في الوقائع.
ولهذا اضطر إلى الاعتماد بدرجة أكبر على العائلة والوثائق التي وفرتها له.
كما شدد على أهمية الوضوح مع المصادر منذ البداية. ففي اللقاء الثاني مع العائلة، أوضح لهم أنه إذا قرروا التحدث رسميًا، فلن يكون بإمكانهم الانسحاب لاحقًا.
ويقول:
“أحاول مع مرور السنوات أن أكون أكثر شفافية منذ بداية أي عملية صحفية، لأنني رأيت كيف يمكن أن تسوء الأمور عندما لا تكون التوقعات واضحة.”
3. كيف تقرر ما إذا كانت القصة تستحق مقالًا أم كتابًا؟
كشف كيف أنه جمع خلال مقابلاته مع العائلة كمًا كبيرًا من المعلومات، لكن مقالًا من 15 ألف كلمة في “ذا نيويوركر” لا يمكنه استيعاب كل شيء.
ومن أبرز الأمثلة التي ذكرها شخصية هوغو غرين، جد زاك بريتلر، الذي نجا من معسكر أوشفيتز النازي خلال الحرب العالمية الثانية، ثم أصبح لاحقًا مذيعًا معروفًا في هيئة الإذاعة البريطانية وحاخامًا يحظى باحترام واسع في لندن.
ورغم أهمية هذه الشخصية، لم يرد ذكرها في المقال الأصلي.
ويقول:
“كان هذا أحد الأسباب التي جعلتني أشعر بأن هناك كتابًا هنا، لأن هناك تاريخًا أعمق بكثير يتعلق بكيفية تشكل العائلات وانتقالها وتأثير إرثها على الأجيال اللاحقة.”
ويرى كيف أن لكل شكل صحفي هدفه الخاص؛ فالمقال كان يروي قصة زاك بريتلر، بينما أتاح له الكتاب رواية عقود من التاريخ العائلي الذي ساهم في تشكيل شخصيته.
كما تحدث عن معضلة التوقيت، موضحًا أنه يعمل حاليًا على قصة بدأ البحث فيها عام 2020، ولم يشعر إلا مؤخرًا أنها أصبحت جاهزة للنشر.
ويقول:
“أحب الرحلة التي تبدأ من الجهل الكامل بموضوع ما، ثم الوصول إلى مرحلة أشعر فيها بأنني فهمته جيدًا واكتسبت الحق في إبداء رأي مستنير بشأنه. عندما أصل إلى تلك المرحلة، أعرف أنني مستعد للكتابة.”
كم يجب أن تشارك مع المصادر قبل النشر؟
تلتزم معظم المؤسسات الصحفية بعدم السماح للمصادر بقراءة المادة قبل نشرها، وكيف يتبع هذه القاعدة عادة.
لكن عائلة بريتلر كانت استثناءً.
فالمواد التي تضمنها الكتاب كانت شخصية للغاية، وشملت تاريخ العائلة وأسرارها وأفكار أفرادها ومشاعرهم. لذلك شعر أنه من غير المناسب أن يطلع المراجعون على الكتاب قبل أن تراه العائلة نفسها.
ولهذا أرسل نسخًا مبكرة إلى والدة زاك ووالده وشقيقه.
ويقول:
“كانت أيامًا عصيبة بالنسبة لي.”
لكنه رأى أن ذلك ضروري لمساعدتهم على الاستعداد نفسيًا للتجربة الغريبة المتمثلة في رؤية الآخرين يقرأون تفاصيل حميمة عن حياتهم الشخصية.
وأضاف:
“أنا أشبه بمصاص دماء قليلًا؛ فإذا سمحتم لي بالدخول، فسأفعل ما أجيده.”
وتابع:
“كانت هناك أمور لم يتخيلوا في البداية أنها ستظهر في الكتاب، لكنها ظهرت بالفعل، لأنك عندما تمنحني حرية الدخول إلى تاريخ عائلتك، فسأبدأ بالحفر والبحث.”