إعداد إمكانية الوصول

خيارات الألوان

لون أحادي لون باهت مظلم

أدوات القراءة

عزل حاكم

القصص

مواضيع

كيف كشف صحفيون الجواسيس المتورطين في تسميم نافالني؟

إقرأ هذه المقال في

جدار يعرض كيف حققت مؤسسة بيلينغكات في قضية تسميم أليكسي نافالني. الصورة بإذن من بيلينغكات

لم تعلن أي وكالة لتطبيق القانون في العالم عن قيامها بتحقيق جنائي في محاولة اغتيال المعارض الروسي البارز، أليكسي نافالني، بعد تسميمه بسلاح كيماوي في 20 آب/أغسطس من العام الماضي.
وكرد فعل على الغياب الواضح للمساءلة القانونية، عزم مراسلون من موقع بيلينغكات Bellingcat الاستقصائي غير الربحي وموقع The Insider الروسي، بدعم من CNN ودير شبيغل، على التحقيق واستغرقوا ثلاثة أشهر فقط لتوريط جهاز الأمن الفيدرالي الروسي FSB في هجوم بسم الأعصاب نوفيتشوك ضد الخصم الأكبر للرئيس فلاديمير بوتين.
وعلى الرغم من أن عملاء جهاز الأمن الفدرالي الروسي محترفون في المراقبة المضادة، إلا أن التحقيق المشترك تمكّن من تحديد أعضاء الفريق الثلاثة الذين تعقّبوا نافالني، كما حددوا خمسة أشخاص دعموا عمليتهم وهم علماء وضباط في المخابرات. بل إن أحد مراسلي CNN واجه أحد عملاء جهاز الأمن الفدرالي الروسي في شقته في موسكو. ويتعافى نافالني منذ ذلك الحين من هذا الهجوم، الذي احتل عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم، ولكن يُعتقد أنه ما زال يعاني الآن من العديد من المشكلات الطبية بعد إرساله إلى السجن في روسيا فيما تسميه وزارة الخارجية الأميركية بمحاكمة “ذات دوافع سياسية”. وقد نفت روسيا مرارا مسؤوليتها عن تسميم نافالني، غير أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فرضا عقوبات على موسكو بتهمة تسميم هذا المعارض البارز واضطهاده.
وللتحقيق في تورط الأجهزة الأمنية الروسية، اختار التحقيق المشترك شراء بيانات من السوق السوداء، وهو الملاذ الأخير في أخلاقيات الصحافة، إضافة إلى استخدام مزيج من الأدوات مفتوحة المصدر والبحث في وسائل التواصل الاجتماعي وأساليب أخرى تقليدية للتحقيق الصحفي.
وفي 14 كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، صرح موقع بيلينغكات الذي يركز على استخبارات المصادر المفتوحة، وهو عضو في الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية، ما يلي: “لا توجد وكالة أمنية في أي بلد تقوم بالتحقيق حاليا في تسميم أليكسي نافالني”، وقال كريستو غروزيف، الباحث الرئيسي في بيلينغكات، للشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية إنه، منذ أوائل نيسان/أبريل 2021 لم يتصل أي مسؤول أمني بالضحية أو الشهود المباشرين منذ هذا البيان، وبالتالي، لا يزال التحقيق في هذه جريمة مقتصراً على الصحفيين بشكل كامل.
وفي ندوة عبر الإنترنت للشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية عقدت في 25 آذار/مارس، قدم غروزيف ورومان دوبروخوتوف، وهو رئيس تحرير موقع The Insider، أحد المواقع الاستقصائية المستقلة القليلة المتبقية في روسيا، نصائح حول كيفية استخدام أسواق البيانات السوداء وأدوات التنصت على البيانات الشخصية بشكل فعال وأخلاقي، وذلك في الحالات النادرة حين تتطلب التحقيقات ذلك. وقد انضمت إليهما في اللجنة دوروثي بيرن، وهي المحررة العامة في القناة الرابعة البريطانية (شبكة التلفزيون العامة) وأحد أمناء شبكة الصحافة الأخلاقية، التي أوضحت كيف يجب على غرف الأخبار أن تختبر إمكانية استخدام أدوات التحقيق وفقا للأسس الأخلاقية.
فيديو:

وقد كانت إحدى النتائج اللافتة للنظر لجمهور هذه الندوة عبر الإنترنت، التي جذبت 319 صحفياً من 64 دولة، هي أن تحقيق نافالني اعتمد إلى حد كبير على افتراضات منطقية وتحقيقات سابقة في الأسلحة الكيماوية وأسئلة تحقيق كلاسيكية.
يقول غروزيف ودوبروخوتوف إنهم تتبّعا البيانات بناءً على أسئلة كهذه: مَن هم الركاب الذين حجزوا رحلات جوية عكست رحلات نافالني من موسكو إلى مدينة نوفوسيبيرسك في الأسبوع الذي تعرض فيه للتسميم؟ ومَن مِن بين هؤلاء الركاب سافروا معا؟ هل مِن بين هؤلاء ظهر على هوياتهم علامات التزييف، مثل بيانات مفقودة في جواز السفر؟ مَن سافر إلى مدينة تومسك، حيث تعرضت نافالني للهجوم؟ بمن اتصل هؤلاء الأشخاص؟ وهل من تلقى هذه المكالمات له ارتباط ببرنامج الأسلحة الكيماوية الروسي؟
وفي حين أن الكثير من هذه المعلومات يمكن الحصول عليها باستخدام أدوات مفتوحة المصدر وبحث في الإعلام الاجتماعي، إلا أن بعض البيانات المطلوبة، مثل قوائم الركاب وسجلات فواتير الهاتف، لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال أسواق البيانات غير المشروعة في روسيا.
يوضح دوبروخوتوف: “بعض هذه البيانات ليست متاحة للجمهور، ولكن في الواقع من السهل جدا الحصول عليها في السوق السوداء”.
وعلى الرغم من أن بعض البيانات هذه خاصة بروسيا، إلا أن دوبروخوتوف يقول إن المراسلين الاستقصائيين في البلدان القمعية الأخرى يمكنهم، إذا لزم الأمر، الاستفادة من نفس الظاهرة، وهي أن الحكومات الاستبدادية دائما ما تخلق بيروقراطيات فاسدة، وأن هذه البيئة نفسها يمكن أن ينتج عنها تسريبات للبيانات لكشف الجرائم التي ارتكبتها تلك الحكومات.
ويشير غروزيف إلى أن “رومان دوبروخوتوف قال دائما إن روسيا هي في الواقع واحدة من أكثر المجتمعات شفافية، لأنه يمكنك شراء بيانات مركزية إلى حد ما مقابل القليل من المال، وهو أمر معتاد في هذه الأسواق”.
ويقول دوبروخوتوف إن موقع The Insider استند أيضا إلى قواعد البيانات والدروس المستفادة من التحقيقات السابقة في استخدام غاز الأعصاب نوفيتشوك، بما في ذلك تسميم الضابط العسكري الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته يوليا في المملكة المتحدة في عام 2018.
ويوضح دوبروخوتوف: “بهذه الطريقة تعلمنا كيف نستخدم قواعد البيانات الروسية لتعقّب هؤلاء الجواسيس، وأن نفهم الأساليب التي يمكن استخدامها للتعقّب. وفي آب/أغسطس 2020 كنا نعتقد أن هذه المؤسسات التي كانت تصنع غاز نوفيتشوك هي نفسها على الأرجح صنّعت الغاز السام لأولئك الذين حاولوا تسميم نافالني، وربما لم تكن المخابرات العسكرية الروسية GRU، بل جهاز الأمن الفيدرالي الروسي FSB”. ويضيف: “كان ذلك عندما بدأنا في البحث عن بيانات المكالمات الهاتفية والبيانات الوصفية، فهذه هي البيانات التي يتم جمعها في روسيا، فلا يمكنك فقط معرفة مع من كان يتحدّث الشخص، ولكن أيضا مكان الاتصال، مع تحديد الموقع الجغرافي”.
ويقول دوبروخوتوف إن الدليل الأخير الذي احتاجوا إليه جاء عندما اتصل نافالني بنفسه بأحد عملاء جهاز الأمن الفيدرالي الروسي وخدعه في مكالمة مدتها 40 دقيقة للاعتراف. ويقول إن هذه المكالمة أضافت أيضا تفصيلا جديداً، وهو أن العملاء وضعوا السم على ملابس نافالني الداخلية، اعتقادا منهم أن هذا كان الشيء الوحيد من الملابس الذي على الأرجح لن يلمسه إلا الشخص المستهدَف.
من جانبه، يؤكد غروزيف العامل في موقع بيلينغكات، والذي يتضمن عمله تحقيقات في حوادث تسمم سكريبال وإسقاط رحلة الخطوط الجوية الماليزية MH17 عام 2014، أن الصحفيين الاستقصائيين يمكن تعقب أي شخص عن كثب، بما في ذلك الجواسيس المحترفين، جزئيا لأنهم يرتكبون بعض الأخطاء البشرية نفسها التي قد يرتكبها أي شخص آخر.
على سبيل المثال، يمكن أن يكونوا كسالى. ويشير غروزيف إلى أن العديد من الجواسيس السرّيين حجزوا بشكل روتيني تذاكر زمنية لوقوف السيارات بالقرب من مقر جهاز الأمن الفدرالي الروسي في موسكو، وقد قام بعضهم بتسجيل سياراتهم الشخصية بعنوان وكالتهم.
وقد يكونوا مُهْمِلين. حيث يقول إن جوازات السفر الممنوحة لضباط المخابرات كجزء من هوياتهم الغلافية غالبا ما يتم إصدارها بتواريخ ميلاد زائفة، أو بأرقام جوازات سفر متسلسلة، حيث يمكن للرقم الأخير أن يكشف عن جواسيس آخرين في نفس الوحدة.
ويمكن أن يكونوا ساذجين، مثل العميل الذي تم خداعه على الهاتف للاعتراف بدوره في التستر.
ويمكن تشبيه مجموعة الأدوات التي استخدمها هؤلاء الصحفيون المغامرون بمنجم ذهب افتراضي، يشمل تقنيات مفتوحة المصدر وغير مفتوحة المصدر. تأمّل أولاً الأدوات مفتوحة المصدر التي استخدمها غروزيف من شركة بيلينغكات بشأن تسميم نافالني.
الأدوات المفتوحة المصدر المستخدمة:
– روبوتات البحث العكسي عن أرقام الهواتف على برنامج تلغرام أو تطبيقات الهواتف الذكية. فهذه الروبوت هي برامج تنفذ مهمة محددة وفقا لتعليمات المستخدم، ومن ضمنها GetContact وTrueCaller وSmartSearch. ووفقا لغروزيف، “تسمح لك بالبحث عن شخص بناءً على رقم الهاتف الذي أدخلته، وتعمل عادةً وفقا لمبدأ مشاركة الأرقام. فإذا قمت بتحميل تطبيق X على هاتفك، فإنه يستخرج قائمة أرقامك كما هو موضّح في إعداداتك ويجمّعها. لذلك يمكن أن يكون رقماً مرتبطاً بكلمة (أمي)، أو قد يكون شيئا محددا مثل فلان من قسم الليل في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي”.
– البحث العكسي عن أرقام الهواتف لجمع البيانات عن خلفية المستخدم. ومن ضمن هذه الأدوات EyesofGod وQuickOsintBot. ويقول غروزيف: “هذه روبوتات خاصة بخدمة تلغرام، وتوفر المزيد من المعلومات، ربما العناوين وغيرها من البيانات”.
– منصات “تستحق المحاولة” للعثور على الهويات. وتتضمن خيارات لا بأس من تجريب حظك فيها مثل فايبر وتلغرام وواتساب وسكايب. يضيف غروزيف: “على سبيل المثال، إذا قمت بكتابة رقم في شريط البحث في سكايب، فقد ينتهي بك الأمر مع اسم الشخص ربط رقم هاتفه بسكايب. وباستخدام واتساب، قد ينتهي بك الأمر مع صورة مرتبطة بالرقم، وبعد ذلك يمكنك إجراء بحث عن الوجه”. وقد تم بالفعل إدراج أحد أرقام الهواتف التي تم البحث عنها باستخدام هذه الأساليب كفرد تم تحديد اسمه على أنه عامل “في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي”.
– روبوتات البحث العكسي عن السيارات. ومن أمثلتها AvinfoBot وSmartSearch وEyesofGod وQuickOsintBot، التي توفر بيانات عن ملكية السيارات وبيانات عن أماكن اصطفافها وتواريخ مخالفات السير. ويقول غروزيف: “يمكن أن تكون هذه مفيدة للغاية في تتبع تحركات الشخص ومعرفة ما إذا كان متصلاً بجهاز سري وتحديد هذا الجهاز”. وقد وجد موقع بيلينغكات أن أحد الأشخاص الذين تحدثوا كثيرا مع كبير العلماء في مختبر يصنع غاز الأعصاب نوفيتشوك كان لديه سيارة مسجّلة في مقر جهاز الأمن الفيدرالي الروسي. وباستخدام هذه الأدوات، اكتشف بيلينغكات أن هاتف أحد المشتبه بهم كان متصلاً بـ42 فاتورة لاصطفاف السيارة، وحدد الموقع الجغرافي للعديد من تلك الفواتير في منطقة وقوف للسيارات على بعد بنايات قليلة من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي.

لعبت أدوات البحث العكسية عن السيارات دوراً مهما في التحقيق في تسميم نافالني، حيث قدّمت البيانات الخاصة بفواتير اصطفاف السيارات وتسجيلها ومخالفات المرور أدلة إضافية على أن العديد من الأفراد الذين يحملون هويات مزورة كانوا من عناصر أمن الدولة. الصورة بإذن من بيلينغكات

 

– أدوات التحقق من الأوجه والمقارنة بينها. وقد أشاد غروزيف “بأداة Azure من مايكروسوفت التي تعمل بفعالية عالية”. ويضيف أن هذه الخدمة استخدمت لإيجاد الهوية الحقيقة لأحد عملاء جهاز الأمن الفيدرالي الروسي الذي كان يستخدم جواز سفر بهوية مزوّرة، حيث تعرّف التطبيق بدقة عالية على نفس الوجه الذي ظهر على حساب فيسبوك لامرأة تبين أنها زوجته. وفي صورة على حسابها على وسائل التواصل الاجتماعي، شوهد هذا الرجل على الشاطئ وهو يرتدي دمية كبيرة صفراء قابلة للنفخ حول رأسه. إنها قصة من عالم الواقع لكنها تشبه إلى حد كبير قصة جيمس بوند الخيالية، قصة جاسوس لديه ترخيص بالقتل.
– تقنية الاستبدال لتحديد الوجوه المقنعة. يقول غروزيف إن الفريق كان لديه نظرية حول تورط رجل ملثم شوهد في صورة في نفس المكان الذي كان يُعالج فيه نافالني من التسمم. فقد ظنوا أنه قد يكون مطابقا لمشتبه به عثروا على صورة كاملة لوجهه على حساب على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن كيف يمكنهم التأكد تماماً بأنه الشخص الذي يقف وراء القناع؟ يقول غروزيف: “كان علينا أن نكمل الجزء السفلي من الوجه بشخص آخر، ومن أجل الضحك، أخذنا الوجه السفلي للصحفي البريطاني، غراهام فيليبس، وأضفناه إلى الجزء المقنّع من وجه المشتبه به. لقد كنا على علم بأننا لن نحصل على تطابق كامل، لكننا حققناه بنسبة 57٪، وهي وفقا لمايكروسوفت مطابقة كافية”. لاحظ أن هذه التقنية وتقديرات مايكروسوفت ليست كافية للتحقّق الصارم، ولكنها يمكن أن تكون مفيدة في بناء ثقة الصحفي في متابعة زمام المبادرة.

لمعرفة ما إذا كان الرجل المقنع الواقف (الصورة اليسرى) هو نفس الشخص الذي وجده التحقيق على وسائل التواصل الاجتماعي، استبدل كريستو غروزيف الجزء المقنع بالوجه السفلي لصديقه، الصحفي البريطاني غراهام فيليبس (الصورة المركزية السفلية) ، على أداة التعرف على الوجه Azure. الصورة: بإذن من بيلينغكات

 – تقنيات البحث العكسي عن الأوجه. ومن ضمن هذه الأدوات FindClone وSearch4Faces وPimEyes وYandex وSmartSearchBot. يقول غروزيف إن أحد محركات البحث العكسية هذه ساعد في إثبات أن أحد المشتبه بهم كان لديه خلفية طبية، وذلك بفضل صورة على فيسبوك تظهر الرجل يرتدي سماعة طبية. وقد دفع هذا الدليل بيلينغكات إلى البحث عن الخلفيات الطبية بين المشتبه بهم الآخرين، ووجدوا ثلاثة أمثلة أخرى.
– مهارات بحث في محركات البحث غوغل ويانديكس. يقول غروزيف: “هذه مجرد محركات بحث عادية توفر أحيانا بيانات أكثر من المتوقع”، مثلاً، تتنبأ وظيفة الإكمال التلقائي في يانديكس (محرك بحث روسي) بعبارات البحث الشائعة التي قدمها المستخدمون الآخرون، حتى إذا لم تكن هناك معلومات فعلية على صفحاتها. لذلك استطاع بيلينغكات أن يرى، على سبيل المثال، أن العديد من الناس اشتبهوا في أن أحد الأفراد كان ضابطاً في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي.
– قواعد بيانات السفر المسربة. يقول غروزيف: “نعتبر هذه المصادر مفتوحة المصدر لأننا نزّلناها من ملفات تم تسريبها سابقا، ولم يكن علينا شرائها على وجه التحديد”.
– قواعد البيانات المسرّبة عن الأشخاص. وشملت هذه كرونوس Cronos ولاريكس Larix. ويضيف غروزيف: “في روسيا، وكذلك في أوكرانيا والعديد من دول أوروبا الشرقية، هناك الكثير من الأدوات للبحث عن البيانات التاريخية حول الأشخاص، مثل عناوين السكن، وجوازات السفر السابقة، وما إلى ذلك”.
سجلات تم شراؤها في أسواق البيانات الروسية
يقول غروزيف إن من أهم المصادر التي ساعدت في التحقيق هي السجلات الخاصة التي تم شراؤها بمبالغ قليلة في أسواق البيانات الروسية. ومن بينها:
– سجلات الهاتف، أو سجلات الفواتير.
– بيانات الركاب للطائرات والقطارات. يقول غروزيف: “في روسيا، يمكنك الحصول على هذه البيانات من سماسرة يبيعونها. عليك أن تجد راكبا معيّناً تعتمد عليه ثم تبحث من خلاله عن أنماط شائعة عنه وعن غيره”. فقد حدد بيلينغكات المشتبه بهم المحتملين من الرحلات الجوية التي عكست رحلات نافالني، كما بحث الفريق أيضا عن توقيت الحجوزات التي أجراها الركاب على تلك القوائم. ويشرح قائلاً: “لقد رأينا شخصين آخرين قد حجزا رحلاتهما في نفس وقت المشتبه به الأول بالضبط، وذلك في اليوم السابق لرحلتهما، الساعة 14:34. لقد نظرنا بشكل أعمق في هذين الاسمين ووجدنا أنهما هويات مزيفة، حيث لم تكن موجودة في أي من قواعد بيانات جوازات السفر، وكانت تواريخ ميلاد هؤلاء الرجال مشبوهة”.
– تواريخ السفر وحجز التذاكر. وشمل ذلك قاعدة بيانات روسية تعرف باسم Magistral. يقول غروزيف: “يمكنك الحصول عليها إما من المُبلِّغين عن المخالفات الذين يعملون لصالح الشرطة، أو من سماسرة البيانات في روسيا، حيث يمكن من خلالها الحصول على بيانات السفر الكاملة للشخص، بناءً على التذاكر”. ويوضح أن هذه البيانات أظهرت أن عميلا استخباراتيا يستخدم الاسم المستعار “فرولوف” Frolov اشترى تذكرة للوصول إلى نوفوسيبيرسك قبل ساعات من موعد وصول طائرة نافالني إلى هناك، وأنه حجز لاحقا رحلة العودة إلى موسكو من وجهة نافالني التالية، وهي تومسك، لليوم التالي لتسميم نافالني.
– بيانات جواز السفر. ويشير إلى أن “كل مواطن روسي لديه ملف جواز سفر يتضمن ليس فقط صورة جواز السفر الحالي والعنوان وتاريخ صدوره، ولكن أيضا البيانات السابقة المرتبطة بجوازات السفر السابقة”.
ويوضح غروزيف: “من خلال متابعة الرحلات الجوية التي حصلت، إضافة إلى الرحلات الجوية التي لم تحصل، يمكنك تكوين فرضية جيدة عن ما كان يحدث في التخطيط لهذه العمليات السرية”.
الاعتبارات الأخلاقية
في حين أن هذا التحقيق الصحفي مثير للإلهام، إلا أن الاستخدام الواسع للبيانات الشخصية التي تم شراؤها من السوق السوداء الروسية يثير العديد من القضايا الأخلاقية. وتقول دوروثي بيرن من شبكة الصحافة الأخلاقية، التي ساهمت في العديد من الكتب حول أخلاقيات وسائل الإعلام، إن على المؤسسات الإخبارية أن تنتج إرشادات أخلاقية لكيفية جمع الحقائق المثيرة للجدل، تماما كما كتبت بروتوكولات لإعداد التقارير في بيئات العنف والنزاعات.
وتضيف: “أعتقد أن وجود هذه التقنيات الرائعة والمبتكرة المتوفرة الآن يعني أنه يتعين علينا كصحفيين أن نفكّر بجدية حول المعضلات الأخلاقية المتعلّقة بها”.
وحذرت بيرن من أنه يجب على الصحفيين، على الأقل، أن يأخذوا بعين الاعتبار الأسئلة التالية قبل الشروع في التحقيقات الاستقصائية التي قد تنطوي على انتهاك قواعد أو قوانين الدولة، أو انتهاك الخصوصية الفردية:
– هل يصب هذا التحقيق في المصلحة العامة؟
– هل لهذا التحقيق أهمية حقيقية؟
– ألا توجد طريقة أخرى للحصول على المعلومات؟
– هل سأعرّض أي شخص للخطر؟ (وإذا كان الأمر كذلك، فهل أنا مستعد لدفع تكاليفهم القانونية المحتملة، أو تكلفة إخراجهم من البلاد؟)
– إذا كنتُ سأقوم بدفع المال لمجرم، فهل أنا بذلك أشجع الجريمة؟ وماذا سيفعل المجرم بالمال؟
– هل قمتُ بالضغط على أي شخص للعمل معي، وخاصة أي صحفي شاب، بأي شكل من الأشكال للمشاركة في انتهاك القوانين أو القواعد السائدة؟ وتؤكد بيرن: “يجب أن ندرك حقيقة أن العديد من الصحفيين الشباب يريدون أن يصنعوا اسما لأنفسهم ، وقد يخاطرون بمصلحتهم للقيام بأشياء لا ينبغي لهم أن يفعلوها” .
– إلى أي مدى سنتحلّى بالشفافية بعد التحقيق بشأن كيفية حصولنا على المعلومات؟
تقول بيرن: “من الواضح، في حالة تسميم نافالني ومحاولة اغتياله، أن الإجابة هي نعم بالتأكيد على أول نقطتين (المصلحة العامة والأهمية). أما أساليب مثل أسواق البيانات غير المشروعة فمن المهم أن نفكر فيها فقط إذا كان التحقيق مهماً حقاً، وليس مجرد طريقة تجعلنا مشهورين. مثلاً، إن استخدمناها لمعرفة شيء عن العائلة المالكة البريطانية فلن يكون هناك ما يبررها”.
وتضيف بيرن أن الفروقات الأخلاقية قد تعتمد أيضاً على مبالغ الأموال المدفوعة مقابل بيانات السوق السوداء، فإذا كان المبلغ كبيراً فمن المرجح أن يستخدمه المجرم لارتكاب جرائم إضافية.
من جانبه، يقول غروزيف إن المبالغ التي دفعت مقابل البيانات في قضية نافالني كانت منخفضة، حيث إن رسوم البيانات المدفوعة عبر الإنترنت غالبا ما تكلف أقل من 12 دولارا. وشدد على أن بيلينغكات يلجأ فقط إلى بيانات السوق السوداء عندما يُعتقد أن الجهات الحكومية متورطة في مخالفات كبيرة، وأنها ضرورية عند التحقيق في قضايا متعلقة بالسلطات الأمنية لأنهم خبراء في تغطية مساراتهم.

هذه هي الإرشادات الأخلاقية التي يحتكم إليها موقع بيلينغكات للحصول على بيانات سرية أو من السوق السوداء. الصورة: لقطة من صفحة على الموقع

ويقول غروزيف إن ميزة أخرى للتعاون مع مؤسسات إعلامية مثل The Insider ودير شبيغل في تحقيقات صحفية مهمة وكبيرة هي أن “كل هذه القرارات الصعبة تتخذ على أساس الإجماع”.
ويوضح قائلاً: “هذا يعني أن الوسيلة الإعلامية التي تتمتع بأعلى المعايير الأخلاقية لها حق نقض بعض القرارات”.
ويحذر من أنه لا ينبغي استخدام أسواق البيانات غير المشروعة بناءً على المشاعر، بل فقط بعد ظهور فرضية قوية بالفعل من أدلة تستند إلى مصادر مفتوحة أو تقارير تقليدية.
من ناحية أخرى، يقول غروزيف إنه حين يتعلق الأمر بالهويات المزيفة التي يستخدمها الجواسيس، فإن هناك مبرّرات أخلاقية وقانونية للتفكير في انتهاك الخصوصية بالبحث في البيانات السرية. السبب: “لأنهم أناس مزيّفون!”


روان فيليب هو مراسل للشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية. وقد كان روان سابقا كبير المراسلين في صحيفة سانداي تايمز في جنوب أفريقيا. وقدم روان كمراسل دولي تقارير إخبارية وسياسية وعن الصراعات و الفساد في أكثر من 20 دولة حول العالم.

إعادة نشر مقالتنا عبر الانترنت أوطباعة تحت رخصة النشاط الابداعي

إعادة نشر هذا المقال


Material from GIJN’s website is generally available for republication under a Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International license. Images usually are published under a different license, so we advise you to use alternatives or contact us regarding permission. Here are our full terms for republication. You must credit the author, link to the original story, and name GIJN as the first publisher. For any queries or to send us a courtesy republication note, write to hello@gijn.org.

إقرأ التالي

دراسة حالات نصائح وأدوات

كيف استخدمت وكالةُ “ذا نيو هيوماريتانيان” تطبيقَ واتساب لتغطية الانهيار الاقتصادي في لبنان

نشرت وكالة The New Humanitarian العضو في الشّبكة العالميّة للصّحافة الاستقصائيّة مؤخرًا مشروعًا مبتكرًا لرواية القصص بعنوان واتساب لبنان؟  إنها قصة خمسة شباب على خط الفقر، تُروى من خلال رسائلهم على الواتساب، متداخلةً في خطٍّ زمنيّ للأحداث.  نُشرتْ هذه القصّة عن  المشروع في الأصل على Journalism.co.uk وأُعيد نشرها هنا بإذن.

دراسة حالات نصائح وأدوات

دروسٌ تعلّمها تسعة صحفيين استقصائيين من أخطائهم

طلبت الشّبكة العالميّة للصّحافة الاستقصائيّة من مجموعةٍ متنوّعةٍ تضمّ تسعة صحفيين استقصائيين أن يحدّثونا عن خطأ مشهودٍ واحدٍ ارتكبوه في مشروعٍ استقصائيّ، والدّرس الذي تعلّموه منه.

دراسة حالات نصائح وأدوات

كيف كشفت صحيفة فاينانشال تايمز عن عمليّة احتيال بقيمة مليار دولار

تعلّم الصّحفيُّ الاستقصائيّ من صحيفة فاينانشال تايمز اللندنيّة “دان ماكروم” العديد من هذه التقنيات خلال تحقيقٍ استمرّ ستّ سنوات تناولَ فيه شركةَ المدفوعات الإلكترونيّة الألمانية “وايركارد”، ومنها استخدامُ كمبيوترٍ محمول لا يُوصل بالإنترنت في مخبأ آمن، والتّخلُّص من المراقبة في محطّات القطار، وصولاً إلى كسب ثقة والدةِ أحدِ المبلِّغين المحتملين.