مدنيون فلسطينيون يفرّون من القوات الإسرائيلية خلال مظاهرات قرب الحدود بين غزة وإسرائيل في رفح، جنوب قطاع غزة. الصورة: شاترستوك / عبد الرحيم الخطيب
التحقيق الصحفي من داخل مناطق النزاع والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة: دروس من جنوب آسيا والشرق الأوسط
إقرأ هذه المقال في
بقلم ناتاشا مطلوب ويُمنى هينا خان — 12 أغسطس/آب 2026
في أكتوبر/تشرين الأول 2021، كان الصحفي شاهد زهري يقود سيارته عائدًا إلى منزله في كراتشي، مرورًا بمدينة حب في إقليم بلوشستان الباكستاني، عندما انفجرت قنبلة زُرعت تحت مقعد سيارته. وتوفي متأثرًا بجراحه بعد ساعات.
وتجسد هذه الحادثة مفارقة مستمرة في تغطية النزاعات: فالصحفيون الذين يغطون الجماعات المسلحة غالبًا ما يُنظر إليهم بعين الريبة من جميع الأطراف.
وأعلن جيش تحرير بلوشستان (BLA)، وهو جماعة انفصالية متمردة تصنفها الحكومة الباكستانية وعدة دول أخرى، من بينها الولايات المتحدة، منظمة إرهابية، مسؤوليته عن الهجوم، متهمًا زهري بالتجسس لصالح قوات الأمن الباكستانية، من دون تقديم أدلة. وقالت بولين أديس-ميفيل، المتحدثة باسم منظمة مراسلون بلا حدود، في بيان عقب مقتله: «من غير المقبول أن يتمكن المتمردون الانفصاليون، من دون عقاب، من ادعاء حقهم في قتل الصحفيين بصورة تعسفية تمامًا».
وتعكس قضية زهري مفارقة دائمة في تغطية النزاعات: فالصحفيون الذين يغطون الجماعات المسلحة غالبًا ما يواجهون الشك من جميع الأطراف، وقد يشكل وصف الصحفي بأنه «عميل» من أي طرف تهديدًا لحياته. ومن خلال مقابلات مع ستة صحفيين ومحللين يغطون الأحداث في جنوب آسيا والشرق الأوسط، يستكشف هذا المقال كيفية التعامل مع هذه الضغوط المتنافسة، وما يترتب عليها من أثمان شخصية ومهنية وأخلاقية.
الوصول للمصدر يعتمد على الثقة، لا على أوراق الاعتماد
في مناطق النزاع، نادرًا ما يكون الاعتماد الصحفي الرسمي وحده كافيًا للوصول إلى المصادر والمناطق المطلوبة. فالوصول يُبنى، بدلًا من ذلك، على الثقة المحلية والعلاقات الشخصية وفهم ديناميكيات المجتمع، وهي عوامل غالبًا ما تكون أكثر أهمية من البطاقة الصحفية أو الدعم المؤسسي.
بالنسبة إلى سامي يوسفزاي، الذي يغطي طالبان والقاعدة منذ عام 2001، تبدأ هذه العملية بالتواصل مع السكان المحليين على الأرض. ويوضح: «غالبًا ما يكون المساعد الصحفي المحلي أو شيخ القبيلة المصدر الأول لفهم الوضع والظروف الأمنية والديناميكيات المحلية والمخاطر والفرص المتاحة أمام الصحفي الاستقصائي»، مضيفًا أن الصحفيين القادمين من الخارج «قد لا يتمكنون حتى من العمل بفاعلية من دون مساعد صحفي محلي».
ويرى يوسفزاي أن المساعد الصحفي الجيد «غالبًا ما يكون مستشارًا أمنيًا، ومترجمًا ثقافيًا، ومحللًا محليًا، ومفاوضًا، وشريكًا موثوقًا في عملية إعداد التقرير الصحفي».
وبالمثل، قالت سميرة خان، وهي مراسلة باكستانية حققت في عمليات مكافحة التمرد العسكرية والنزوح الداخلي والحرب على الإرهاب منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي في كل من أفغانستان وسوات، وهي منطقة قبلية سابقة في شمال باكستان، إن علاقاتها مع المجتمعات المحلية كانت أساسية لعملها الصحفي على جانبي الحدود.
وقالت: «لقد كانوا متعاونين للغاية، سواء في باكستان أو أفغانستان. وفروا لي أماكن للإقامة ووسائل للنقل والتواصل أثناء التنقل في هذه المناطق الصعبة».
لكنها شددت أيضًا على أن إمكانية الوصول تتأثر بالبيئة السياسية السائدة بقدر تأثرها بالتحديات الجغرافية والميدانية. ففي حين كانت قادرة على التنقل بحرية نسبية في أفغانستان خلال عهد الجمهورية السابقة، تطلب سلطات طالبان حاليًا من الصحفيين الكشف مسبقًا عن وجهاتهم والأشخاص الذين يعتزمون إجراء مقابلات معهم، مع احتفاظها بسلطة تقييد الوصول أو منعه بالكامل.
وقال امتياز بلوش، وهو صحفي مقيم في إسلام آباد ومنحدر أصلًا من بلوشستان، ومعروف بتغطيته للمناطق النائية والمتأثرة بالنزاع في الإقليم، إن جذوره المحلية تمنحه ميزة كبيرة في العمل الصحفي. فقد ساعده إلمامه بالمنطقة وسكانها وشبكاتها على الوصول إلى أماكن ومصادر يصعب على الصحفيين القادمين من الخارج الوصول إليها.
ويقول: «كوني من بلوشستان يجعل من الأسهل بالنسبة لي جمع المعلومات من المناطق النائية مقارنة بمن يجلسون في إسلام آباد أو غيرها من المراكز الحضرية».
هناك دائمًا طرفان يراقبان
نادرًا ما يتعامل صحفيو النزاعات اليوم مع مركز واحد للسلطة. فتغطية الجماعات المسلحة تعني في كثير من الأحيان العمل تحت مراقبة متزامنة من طرفي الحرب أو النزاع.
وترى خان أن هذه الرقابة المزدوجة أصبحت ببساطة جزءًا من العمل. وتقول: «إذا قلت إن الدولة لا تراقبك، فسأكون مخطئة. للدولة أسبابها، وللجماعات المتمردة أسبابها أيضًا». وتضيف أن العمل الصحفي من مناطق النزاع يتطلب وعيًا دائمًا بالجماعات المسلحة، نظرًا إلى ما قد تتسم به من قسوة شديدة.
لكن الطرف الذي يشكل التحدي الأكبر يختلف باختلاف النزاع.
وقالت قرة العين رهبر، وهي صحفية مستقلة تغطي منذ ثماني سنوات إقليم كشمير الخاضع للإدارة الهندية، إن موازين الضغوط تغيرت مع مرور الوقت. ففي حين واجه الصحفيون خلال تسعينيات القرن الماضي تهديدات من المسلحين والدولة على حد سواء، تقول: «اليوم لم يعد هناك النوع نفسه من التواصل المباشر بين الجماعات المسلحة والصحف».
وقالت صحفية أخرى تعمل في كشمير الخاضع للإدارة الهندية، طلبت عدم الكشف عن هويتها، إن البيئة الإعلامية تغيرت بصورة جذرية بعد عام 2019، عندما ألغت الهند الوضع الدستوري شبه المستقل للإقليم ووضعته تحت الإدارة المباشرة للحكومة الاتحادية.
وأضافت: «منذ ذلك الحين، أصبح الضغط يأتي بصورة طاغية من الدولة. تدقق السلطات في كل كلمة ترد في القصة الصحفية، ويخضع الصحفيون للاستجواب بسبب تقاريرهم».
أما جيسون بيرك، المراسل الدولي في صحيفة الغارديان، فلديه أكثر من ثلاثة عقود من الخبرة في تغطية النزاعات في الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا وجنوب آسيا، وهو مؤلف عدد من الكتب المعروفة عن الإرهاب والنزاعات، من بينها «القاعدة: القصة الحقيقية للإسلام الراديكالي» و«حروب 11 سبتمبر» فيرى أن هذا التحول يعكس تغيرًا أوسع في الطريقة التي تتعامل بها الجماعات المسلحة مع وسائل الإعلام.
ويقول: «منذ تسعينيات القرن الماضي، أصبح الصحفيون يُعتبرون أهدافًا بصورة متزايدة من جانب العديد من الجماعات المسلحة، وإن لم يكن جميعها»، مرجعًا هذا التحول جزئيًا إلى التطرف، وجزئيًا إلى أن المسلحين «لم يعودوا بحاجة إلى الصحفيين بالطريقة التي كانوا يحتاجون إليهم بها في السابق، لأنهم باتوا قادرين على الوصول مباشرة إلى جمهورهم عبر الإنترنت».
ونتيجة لذلك، يعمل صحفيو النزاعات اليوم داخل بيئة معلوماتية تزداد تنازعًا وتعقيدًا، حيث تسعى السلطات الحكومية والجهات الفاعلة غير الحكومية على حد سواء إلى التأثير في إنتاج الصحافة المستقلة أو مراقبته أو تقييده.
التحقق عملية مستمرة، وليس مجرد خانة يتم التأشير عليها
نظرًا إلى أن الحكومات والجماعات المسلحة تسعى على حد سواء إلى تشكيل سرديات النزاع، فإن التحقق من المعلومات ليس مهمة بسيطة، بل يجب أن يكون عملية منهجية ومنضبطة تعتمد على مصادر متعددة.
وقال إحسان الله تيبو مسيد، الشريك المؤسس لمنصة «ذا خراسان دايري» في باكستان، إن الدعاية التي تنتجها الجماعات المسلحة أصبحت أكثر تطورًا بصورة ملحوظة، ولا سيما منذ عام 2020، إذ باتت هذه الجماعات تنشر بشكل متزايد مقاطع مصورة لعملياتها بجودة إنتاج احترافية.
وفي حين يمكن لهذه المواد أن تساعد في إثبات وقوع حادثة ما، يحذر مسيد من أن الادعاءات المصاحبة لها، وخصوصًا أعداد الضحايا ومدى نجاح العمليات، غالبًا ما تكون مبالغًا فيها.
ولذلك، يعتمد في منهجه على التحقق من كل حادثة من خلال «الصحفيين المحليين، والسكان، وجهات الاتصال في المستشفيات، والمسؤولين الأمنيين، والمصادر الموجودة على الأرض»، مع إخضاع البيانات الحكومية الرسمية للمستوى نفسه من التدقيق.
ويضيف: «ينبغي للصحفيين أن ينسبوا المعلومات بوضوح إلى مصادرها بدلًا من تقديمها باعتبارها حقائق ثابتة».
ويصف بلوش عملية تحقق متعددة المستويات مشابهة في بلوشستان. ويقول: «نجمع المعلومات من المصادر المحلية، ثم نتحقق منها من خلال المسؤولين المحليين»، واصفًا هذه الطريقة بأنها «مثلث في الأساس».
وبالنسبة إليه، لا يقتصر التحقق على الوقائع، بل يمتد إلى اللغة المستخدمة في وصف الأحداث. ويحذر من أن تبني التسميات التي تفضلها الدولة لوصف الجماعات المسلحة «ليس مقبولًا دائمًا على المستوى الدولي، لأنه قد يكشف عن انحياز الصحفي أو المؤسسة الإعلامية»، وهو ما يوضح كيف يمكن للمصطلحات المستخدمة أن تشكل تصورات الجمهور بقدر ما تفعل الوقائع نفسها.
ويحذر بيرك من خطأ صحفي مختلف، لكنه شائع بالقدر نفسه: افتراض وجود درجة من التنظيم والاتساق داخل الجماعات المسلحة، في حين أنها غالبًا ما تعمل بطريقة مجزأة ومتغيرة.
ويقول إن هذه التنظيمات في الواقع «أكثر فوضوية بكثير مما نعتقد، والأهم من ذلك أنها تقوم على العلاقات الشخصية أكثر من قيامها على العلاقات التنظيمية».
وتذكرنا ملاحظته بأن التحقق لا يعني فقط التأكد من صحة الأحداث، وإنما أيضًا مقاومة الافتراضات التي قد تبسط بصورة مفرطة الديناميكيات الداخلية للجهات الفاعلة في النزاعات.
كيف يؤثر النوع الاجتماعي في تغطية النزاعات؟
بالنسبة إلى النساء اللواتي يغطين النزاعات، تتجاوز المخاطر حدود ساحة المعركة. فحتى المهام الصحفية الروتينية قد تترتب عليها تبعات اجتماعية ومهنية نادرًا ما يواجهها زملاؤهن الرجال.
وتحذر خان من أن أمرًا اعتياديًا مثل مقابلة مصدر رجل يمكن أن يفسره بعض الزملاء بوصفه أمرًا مشينًا، بدلًا من اعتباره جزءًا طبيعيًا من العمل الصحفي.
وتقول: «المصدر نفسه، إذا ذهبت أنا لمقابلته، يُنظر إليّ باعتباري شخصًا سيئًا. لكن إذا التقى صحفي رجل بالمصدر نفسه، يُنظر إليه باعتباره صحفيًا جيدًا جدًا».
وتقول قرة العين رهبر إن التحديات أكبر بالنسبة إليها لأنها تعمل من كشمير الخاضع للإدارة الهندية.
وتوضح: «يتحمل الصحفيون الكشميريون عبئًا مضاعفًا»، مشيرة إلى أنها تواجه حملات إساءة منسقة عبر الإنترنت بسبب عملها الصحفي وهويتها كامرأة كشميرية مسلمة في الوقت نفسه.
وتتذكر أن أحد المحررين طلب منها التركيز بدلًا من ذلك على «القصص الإيجابية»، بينما تعرض بعض زملائها للضغط لثنيهم عن الكتابة لمنشورات دولية.
ورغم هذه الضغوط داخل غرف الأخبار، تقول رهبر إنها لا تزال ملتزمة بالعمل الصحفي المستقل، وإن مسؤوليتها تتمثل في كشف القصة كاملة.
وتضيف: «الصحافة تعني نقل الحقائق وقول الحقيقة. وإذا لم أكن قادرة على فعل ذلك، فلن يكون هناك هدف يُذكر من بقائي صحفية».
وتوضح هذه التجارب أنه بالنسبة إلى كثير من النساء العاملات في تغطية النزاعات، لا تتمثل أكبر العقبات في المخاطر الجسدية للحرب وحدها، وإنما أيضًا في الأعراف الاجتماعية المرتبطة بالنوع الاجتماعي، والضغوط المؤسسية، والحواجز المهنية التي تحدد من يستطيع القيام بالتغطية الصحفية، وتحت أي ظروف.

غطّت الصحفية الباكستانية سميرة خان النزاعات وعمليات مكافحة التمرد والحرب على الإرهاب منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. الصورة: بإذن من مؤلفَي المقال.
الكلفة المستمرة لتغطية النزاعات
تمتد كلفة تغطية النزاعات إلى ما هو أبعد بكثير من ساحة المعركة. فبالنسبة إلى بعض الصحفيين، تكون المخاطر جسدية؛ وبالنسبة إلى آخرين، قد تكون قانونية أو متعلقة بالسمعة، أو قد يتحملها بشكل جماعي الزملاء والمؤسسات المحيطة بهم.
وقال عدد من الصحفيين الذين أجريت معهم المقابلات إن هذه الأعباء تزداد كلما ازدادت مسؤولياتهم.
وقال مسيد إن تأسيسه غرفة أخبار خاصة به غيّر بصورة جوهرية علاقته بالمخاطر.
ويؤكد: «بمجرد أن تؤسس مؤسسة، فإن المسؤولية تتجاوز سلامتك الشخصية. تصبح مسؤولًا عن سلامة فريق كامل».
أما بالنسبة إلى يوسفزاي، فقد كانت الأثمان شخصية للغاية. فقد احتُجز لمدة 45 يومًا، واختُطف مرتين، وأُصيب بطلق ناري عام 2008، ولا تزال رصاصة مستقرة في ذراعه.
ويقول: «بصراحة، بعد إصابتي بالرصاص، فكرت جديًا في ترك الصحافة. لكنني لم أستطع الابتعاد عنها. الصحافة إدمان؛ عندما تصبح جزءًا منك، يكون من الصعب جدًا أن تتركها».
وتشير تجارب هؤلاء الصحفيين إلى حقيقة أوسع بشأن العمل الصحفي من مناطق النزاع: الوصول ليس سوى البداية.
أما التحدي الأكبر، فيتمثل في الحفاظ على الاستقلالية في الوقت الذي يتعامل فيه الصحفي مع ضغوط متنافسة من الحكومات والجماعات المسلحة والمحررين والمجتمعات التي تعيش النزاع.
ورغم الاختلافات في الجغرافيا والسياسة وطبيعة النزاعات التي يغطونها، عاد الصحفيون الذين أجريت معهم المقابلات باستمرار إلى المبادئ نفسها: ابنِ الثقة من خلال العلاقات المحلية، وتحقق بدقة من كل ادعاء، واحمِ مصداقيتك قبل كل شيء.
ففي تغطية النزاعات، ليست المصداقية مجرد فضيلة مهنية؛ بل هي أساس ثقة الجمهور، وأثمن أشكال الحماية التي يمتلكها الصحفي، وفي مفارقة لافتة، قد تكون أيضًا الصفة ذاتها التي تعرضه لأكبر قدر من المخاطر.
ناتاشا مطلوب هي مساعدة باحثة في «Oxford Global Society». تتابع دراستها للحصول على درجة الماجستير في الفلسفة (MPhil) في الدراسات الاستراتيجية من جامعة الدفاع الوطني في إسلام آباد، وتكتب عن السياسة وحقوق الإنسان والأمن لعدد من المنصات، من بينها «The Diplomat» و«Stimson Center» و«The Friday Times».
يُمنى هينا خان صحفية وباحثة مقيمة في باكستان. تكتب عن النزاعات والأمن والشؤون الاستراتيجية، مع تركيز خاص على الجماعات المسلحة والاستخبارات والأمن الإقليمي في جنوب آسيا. نُشرت أعمالها في «The Friday Times» و«Stimson Center»، حيث تغطي قضايا الأمن والجغرافيا السياسية المعاصرة.
