إعداد إمكانية الوصول

خيارات الألوان

لون أحادي لون باهت مظلم

أدوات القراءة

عزل حاكم

لصحفي الاستقصائي المغربي هشام منصوري خلال لقاء مع فرانس 24 عربية. الصورة: صمد آيت عيشة [/تعليق الصورة]

القصص

مواضيع

لماذا اضطر الصحافي هشام منصوري إلى الفرار من بلاده

إقرأ هذه المقال في

كتابة: جايل فورنييه، ترجمة: جهاد أحمد

عندما نبَّه البرنامج الأمني على حاسوب الصحفي المغربي هشام منصوري بوجود عدد من محاولات الاختراق لبريده الإلكتروني، فعل ما أملته عليه فطرته وبدأ التحقيق في الأمر. 

لم يكن يعلم حينذاك أن حادثة عام 2015  ستُتْبع بجهد غريب من قِبل الشرطة المغربية لابتزازه جنسيًّا، هو وصديقة له، وبالمكوث عشرة أشهر مؤلمة في السجن بعد إلقاء القبض بتهم ملفقة بالبغاء والزنا؛ غير القانونين في المغرب. 

إن جهود تخويف الصحفيين أو ملاحقتهم قضائيًّا ليست بالجديدة في المغرب، ومثلما توضح قصة منصوري فإن حكومة الملك محمد السادس من الممكن أن تكون قاسية وخلاقة في جهودها لإسكات الأصوات المُعارِضة، وتحتل المملكة المرتبة رقم 135 من بين 180 دولة على المؤشر العالمي لحرية الصحافة الذي أصدرته مراسلون بلا حدود لعام 2019، بعد دول مثل أفغانستان وزيمبابوي والفلبين. وفي تقرير صادر عام 2018 عن مختبر كندا للمواطنين، وصِفت المغرب بأنها دولة يُستخدم فيها برنامج التجسس “بيجاسوس” لتعقب الهواتف المحمولة الخاصة بنشطاء المجتمع المدني. 

منصوري نفسه، مؤسس مشارك في الرابطة المغربية للصحفيين الاستقصائيين، كان قد تعرض للضرب على يد مجهولين في سبتمبر عام 2014 بعد مغادرته اجتماعًا جمعه بالمؤرخ المغربي والمعارض البارز “المعطي مُنجِب“، في أحد الفنادق. حتى يومنا هذا، بعد عشرة أشهر في السجن بتهمة الزنا، وإضراب عن الطعام مرتين، وثلاثة أعوام في المنفى بفرنسا، يواجه منصوري اتهامات مُتعلقة بتهديد أمن البلاد في المغرب. ويعود ذلك إلى مشاركته في مشروع ستوري ميكر؛ وهو تطبيق يساعد الصحفيين المواطنين على إنجا ز تقارير مصورة معتمدة على أحداث يشهدون وقوعها. 

يقول هشام منصوري: “هناك ما يطلق عليه شيوعًا ‘الخطوط الحمراء’ الثلاث في المغرب. وعلى الأرجح، تخضع هذه المسائل إلى الرقابة: الإسلام، الملكية، وقضية الصحراء الغربية”. 

بيد أن منصوري يحافظ على بسالته. ذلك أنه الآن بينما يعيش في فرنسا، يدون للموقع الفرنسي المعني بنشر الرأي والتحقيقات “ميديا بارت“؛ ويكتب للصحيفة الإيطالية “كافي دي جورناليستي“؛ بالإضافة إلى الموقع الإلكتروني “ميزون دي جورناليست“، وهو مجموعة توفر مسكنًا للصحفيين في المنفى. تحدث منصوري مع جايل فورنييه، من جلوبال جورناليست، عن سجنه ومشاكله القانونية المستمرة وحياته في المنفى. وفيما يلي، نسخة مترجمة ومحررة من محادثتهما. 

جلوبال جورناليست: حدثنا عن مهنتك الصحفية. 

هشام منصوري: عملتُ في صحيفة إقليمية اسمها مشاهد في [المدينة الساحلية الجنوبية] أكادير، ثم عملت لصالح المنظمتين غير الحكوميتين “فري برس أنليمتد” و”إنترناشونال ميديا سبورت” في الرباط. 

في عام 2009، شاركت في برنامج صحافة استقصائية. ومع بعض الزملاء، قررنا إنشاء شبكة من الصحفيين الاستقصائيين المغربيين. تم الاعتراف بالرابطة في عام 2011، بعد أن بدأ الربيع العربي في المغرب بيومين. كنتُ حينئذ مدير برامج في الشبكة التي أوقفت أنشطتها. وتعرض موقع AMJI [الرابطة المغربية للصحافة الاستقصائية] للقرصنة، وحل محله محتوى إباحي. وخضعنا للرقابة وتلقينا تهديدات. 

ج ج: كيف تصف بيئة الصحافة في المغرب؟

منصوري: حرية الصحافة متفاوتة جغرافيًّا؛ إذا كنت تعيش حول الدار البيضاء أو [العاصمة] الرباط، يتم قبول أشياء أكثر من الريف. 

هناك ما يطلق عليه شيوعًا ‘الخطوط الحمراء’ الثلاث في المغرب. وعلى الأرجح، تخضع هذه المسائل إلى الرقابة: الإسلام، الملكية، وقضية الصحراء الغربية [منطقة تطالب بها المغرب]. 

وقد عاقبت السلطات جميع الصحف المستقلة التي تناولت هذه القضايا. سُجِن محررون… ولذلك يوقفون أنشطتهم. هناك رقابة ذاتية شائعة. 

حتى أن بعض الصحفيين يقعون في مشاكل بمجرد ترجمتهم مقالات أجنبية إلى العربية. نظرًا إلى ارتفاع معدل الأمية، لا يقرأ الصحف كثيرون. ومن ثم، فإن صحفيي التلفزيون والفيديو هم الأكثر تعرضا إلى المشاكل.

ا

الملك المغربي محمد السادس (إلى اليمين) وأخوه الأمير مولاي رشيد، في زيارة إلى فرنسا. الصورة: رويترز/فيليب وجازر

ج ج: لقد قضيت 10 أشهر في السجن بعد أن أُلقي القبض عليك بتهمة الزنا وتسيير بيتًا للبغاء. لقد جاء هذا مباشرة بعد أن بدأت التحقيق في المراقبة الإلكترونية للصحفيين والنشطاء، بما فيهم أنت.

منصوري: كنتُ أعمل على موضوع استقصائي حول الرقابة الإلكترونية، عندما ألقت الشرطة القبض عليَّ في عام 2015. لست خبيرًا في الأمن الإلكتروني، شكرا للبرنامج الذي اتاح لي الوصول الى العناوين الالكترونية  [الخاصة بالمهاجم الإلكتروني] والتي كانت محمية ببرمجيات خبيثة، وقررت أن أحقق. حاولت مسح ما وجدت وهما عنوانين اثنين، لكنني لم اتمكن من ذلك. وجدتُ الأمر غريبًا، فتواصلت مع منشئ البرنامج [الأمني] الذي بالفعل أعلمني بوجود خطب ما. 

بعد ثلاثة أيام، أُلقي القبض عليَّ. كنا في عام 2015، وكانت الساعة حوالي العاشرة صباحًا. وكنت على موعد مع صديقة، وبعد 5 دقائق من وصولها لمكان إقامتي، اقتحمت الشرطة باب الشقة وأجبرتني على نزع ملابسي. 

وقد حاولوا أيضًا نزع ملابس السيدة لتوريطنا بمشهد يُظهر ارتكابنا الزنا. صورت الشرطة  كل شيء من البداية.  

في المحاكمة، طلبنا عرض الفيديو الذي التقطته الشرطة كدليل على ما حدث، لكنهم رفضوا. وعرضوا فقط صورًا لي وأنا عار تقريبًا على فراشي، وقالوا أيضًا إنهم وجدوا واقيًا جنسيًّا على الفراش. 

كنتُ قد تعرضتُ إلى اعتداء قبل هذا ببضعة أشهر، وعليه كنت شديد الارتياب. اكتشفت لاحقًا أن الشرطة ظلت تراقبني عدة أشهر قبل إلقاء القبض عليَّ.

ج ج: لقد سُجِنت لاحقًا بتهمة الزنا. حدثنا عن الفترة التي قضيتها وراء القضبان. 

منصوري: كانت صعبة جدًّا. شعرت باليد الخفية للقمع، ولاحقتني في كل مكان. اليوم الأول في السجن، ألقي بي في زنزانة مع مجرمين [خطرين]، على الرغم من أنه كان يُفترض بي أن أذهب إلى ما يُسمى Block A المخصص لمرتكبي الجرائم لأول مرة. أُرسِلتُ إلى Block D، الذي يسميه المحتجزون “القمامة”؛ الأسوأ على الإطلاق. كانت الزنزانة مكدسة، واضطررت إلى النوم على الأرض في ظروف غير صحية. خلال أسبوع، أصابني القمل. 

الأسوأ كان العنف الذي شهدته بما في ذلك المشاجرات بين المحتجزين وإيذاء النفس، حتى أنني ظننت أن بعض المشاجرات كانت مدبرة لقتلي. 

دخلتُ في إضرابين عن الطعام، وهو ما أدى في نهاية الأمر إلى أن قامت السلطات بإرسالي إلى مبنى يضم محتجزين يُشتبه في ارتكابهم أعمالًا إرهابية؛ كان رجال الشرطة يراقبونهم. 

حاولتُ النجاة والكتابة عن ذكرياتي في السجن. لا يُعنى مشروع اليوميات هذا كثيرًا بمشاركة تجربتي، وإنما بسرد قصص المحتجزين الذين التقيتهم… الذين عادوا من سوريا، تعرضوا للتعذيب، تعاطوا المخدرات. ومع ذلك، فإن تجربتي في السجن ليست فريدة. إنها واحدة يتعين على جميع النشطاء والصحفيين [المسجونين في المغرب] المرور بها. 

فيما يتعلق بـ”اشتباه في تهديد أمن الدولة”، مع ستة متهمين آخرين. لقد وجه إليك هذا الاتهام أيضًا في عام 2015 وتم تأجيل المحاكمة 14 مرة. 

منصوري: لقد بدأ الأمر مع مشروع صحافة مواطن اسمه ستوري ميكر، كان قد أنشئ بالشراكة مع “فري برس أنليميتد” وصحيفة الجارديان. نحن رسميًّا مُتهمون بتلفيق فيديوهات وصور عبر هذا التطبيق، الذي أنشئناه ليكون أداة تغطية يستخدمها المواطنون. 

أخبرتني السلطات أن  “التحقيقات” هي من مهمة الشرطة، وليس الإعلام. حتى أننا مُتهمون بالتجسس  واختلاس أموال من وسائل إعلامية مملوكة للدولة. لكن ليس هناك دليل على أي من هذا. 

في كل مرة يكون فيها جلسة استماع [في الرباط]، تؤجل المحاكمة إلى موعد آخر. الأمر أشبه بسيف دموقليس. سابقًا، اعتدنا أن ندافع عن براءتنا. أما الآن، فنريد فقد أن يُعرض الأمر على قاض من أجل البت، سواء لصالحنا أو ضدنا.

ج ج: حتى بعد أن تعرضت للسجن، قمت بتحقيق بيئي كبير. ماذا وجدت؟

منصوري: في عام 2016، أجريتُ تحقيقًا عن استيراد المغرب 2500 طن نفايات صناعية سامة من إيطاليا. وتم حرق النفايات الصناعية السامة لإنتاج أسمنت في المغرب، وهو أمر محظور تمامًا في أوروبا. 

كشفت الوثائق عن وجود روابط غير مباشرة بين أعمال الأسمنت المملوكة لشركة الملك القابضة وأعمال تجارية بيئية ذات صلة بالمافيا الإيطالية. تم نشره عن طريق الموقع الإخباري لكم، الذي يُقاضى مؤسسه بتهمة “التعاطف مع الإرهاب”. 

ج ج: كيف حددت الوقت الصحيح لمغادرة المغرب؟

منصوري: عقدتُ العزم على مغادرة بلادي عندما كنتُ في السجن. لم أخبر أحدًا. دفعني التعذيب النفسي والبدني الذي مررت به إلى المنفى. في يومي الأول بالسجن، تعرضتُ إلى tachycardia [تسارع ضربات القلب بصورة غير طبيعية]، وضربني أحد حراس السجن. شعرتُ برغبة حقيقية في الانتحار. كنتُ أشعر أنني أختنق؛ غير قادر على الحديث، على البكاء، على الصراخ. كنتُ على استعداد لفعل أي شيء لأترك هذا الجحيم.  

قررتُ مغادرة المغرب عندما علمتُ أن القاضي الذي أرسلني إلى السجن [بتهمة الزنا] كان هو نفسه الذي سينظُر في قضية أمن الدولة. أعرف طريقته التي لم تكن تُنذر بأي شيء جيد. 

كنتُ قد قضيتُ ستة أشهر في السجن عندما علمت بالأمر. كان كابوسًا؛ كما لو كنتُ في هوة بلا قاع. كان كلُ شيء مظلمًا. لم أستطع أن أتحمل البقاء خمسة أعوام أخرى في السجن بدلًا من قضائها في التحضير للدكتوراه. 

ج ج: ما هي خططك المستقبلية؟ 

منصوري: الحياة في المنفى أبعد ما يكون عن السهولة؛ يجب أن تبدأ من الصفر. 

كنتُ مشغولًا كثيرًا على مدار العامين الماضيين  بإجراءات اللجوء الخاصة بي، التي كانت طريقًا حقيقيًّا من العقبات. 

أعمل الآن على مشروع مراقبة معني بخطاب الكراهية في عدة دول بالشرق الأوسط مثل الأردن وتونس ومصر، لصالح مينا ميديا مونيتورينج، وقد نشرنا تقريرين حتى الآن. أنا مستمر في محاربة ما يحدث في المغرب، وأواصل الإدلاء بشهادتي لإظهار الحق، وأنشر من حين إلى آخر مقالات على مدونة ميديا بارت، وأنهي أيضًا الماجستير في العلوم السياسية.


سيتحدث هشام منصوري في المؤتمر العالمي للصحافة الاستقصائية الحادي عشر في الفترة من 26 إلى 29 سبتمبر في هامبورغ. وسيكون جزءًا من مسار الصحافة الاستقصائية في المنفى.


جايل فورنييه صحفية فرنسية. عملت في مؤسسات إعلامية فرنسية، مثل Radio France Internationale وFrance Télévisions. وفي الولايات المتحدة، عملت في PolitiFact وThe Columbia Missourian وNewsy. وعملت أيضًا معدة مساعدة في “جلوبال جورناليست” ببرنامج أسبوعي يُبث على KBIA، التابع لـ NPR.و تقوم الآن بتحضير الماجستير في الصحافة بكلية Sciences Po للصحافة في باريس. 

إعادة نشر مقالتنا عبر الانترنت أوطباعة تحت رخصة النشاط الابداعي

إعادة نشر هذا المقال


Material from GIJN’s website is generally available for republication under a Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International license. Images usually are published under a different license, so we advise you to use alternatives or contact us regarding permission. Here are our full terms for republication. You must credit the author, link to the original story, and name GIJN as the first publisher. For any queries or to send us a courtesy republication note, write to hello@gijn.org.

إقرأ التالي

أخبار وتحليلات

الفقد والدمار والإصرار على الاستمرار, كيف غطت مؤسسات صحافية عربية الحرب على غزة

لقد تسببت الحرب على غزة في خسائر فادحة، حيث قُتِلَ أكثرَ من 34000 فلسطيني، وتضررت مساحاتٌ شاسعةٌ من القطاع بسبب القصف، ويعيش السكان حالياً أزمة إنسانية. أصبح نقل الخبر أمراً في غاية الصعوبة بسبب الدمار الهائل، وانقطاع الإنترنت، وانقطاع الكهرباء بشكل شبه كامل.

ورقة نصائح الأمن والأمان نصائح وأدوات

كيف يمكن للصّحفيين أن يعتنوا بأنفسهم عند التّحقيق في الصور القاسية للحرب والصراع

يواجه خبراء المصادر المفتوحة كمًا هائلاً من الصّور القاسية. فكيف يمكن للصّحفيين حماية أنفسهم من الأذى الناجم عن مشاهدة الصّور الصّادمة باستمرار؟
التّحقيقات مفتوحةُ المصدرِ التي كانت في السابق محصورةً بمواقع متخصّصة مثل Bellingcat، دخلت عالم الصحافة السائدة، مدفوعة بالحاجة إلى التحقُّق على الفور من كميات كبيرة من الصور ومقاطع الفيديو والادّعاءات. بات لدى وسائل الإعلام الكبيرة مثل بي بي سي ونيويورك تايمز فرق مخصصة للتّحقيقات البصريّة، وتزايدت أهمية عملها في سياق حرب المعلومات.