صحفيٌّ متخفٍّ في مدارس سودانية تكبّل الصّبيان بالسلاسل

Print More

 |

الصورة : جيس كيلي / بي بي سي

عندما قابلتُ أحمد كان مقيّدًا في غرفةٍ ليس فيها أحدٌ سواه. كان على جسده علاماتٌ من الضّرب الذي تعرّض له. لا يعرفُ كم عمره، ولكنّه على الأرجح في العاشرة من  عمره.

المدرسة التي وجدته فيها، واحدةٌ من 23 مؤسسة تعليميّة إسلاميّة في السودان، تُعرف باسم “الخلوات”، قمت بتصويرها سرّاً على مدى عامين، بدءاً من أوائل عام 2018.

شهِدتُ وصوّرتُ أطفالًا، بعضهم لم يتجاوزوا الخامسة من عمرهم يتعرّضون للضرب المبرح، ويقيّدون بشكلٍ روتيني، ويُحبسون دون طعامٍ أو ماء من قِبل الشيوخ، أو رجال الدّين المسؤولين عن المدارس. قال لي بعض الأطفال الذين لم يظهروا في فيلمنا الوثائقي إنهم تعرّضوا للاغتصاب أو تعرّضوا لأشكال أخرى من الاعتداء الجنسي.

الصورة : جيس كيلي / بي بي سي

ذكرت الحكومة السودانيّة أن هنالك ما يقرب من 30 ألف خلوة فى جميع أنحاء البلاد. وتتلقّى هذه المدارس أموالاً من الحكومة ومن جهاتٍ مانحةٍ خاصة في السودان وفي جميع أنحاء العالم.

يتمُّ تعليم الأطفال حفظ القرآن. ولأن هذه المدارس لا تتقاضى أيّ رسوم، فقد اعتبرتها أسرٌ كثيرة بديلاً  عن التّعليم العاديّ، لا سيما في القرى النّائية التي قد لا تتوفّر فيها المدارس الحكوميّة. يقيم الطلاب في هذه المدارس، ولا يعودون إلى بيوتهم إلّا  في العطلة.

الصورة : جيس كيلي / بي بي سي

وبالنسبة للكثيرين، فإن المدارس، المستمرّة منذ أجيال، تُعدُّ عنصرًا مركزيًا في الثّقافة السودانيّة، ويُنظر إليها على أنّها جزء من الهويّة الوطنيّة.

ومع ذلك، انتشرت على وسائل التّواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة مقاطع فيديو للأطفال وهم يتعرّضون للضّرب في المدارس، وتحدّثتْ قصصٌ نشرتها وسائلُ الإعلام المحلّية عن شيوخ متّهمين بالاغتصاب في الخلوات. وهو ما تجاهلته وسائل الإعلام والحكومة، وحتّى منظّمات حقوق الإنسان.

أردت أن أكشف مدى انتشار الإساءة، وأن أوصل صوت هؤلاء الأطفال الذين قد لا تتاح لهم الفرصة للحديث عن قصّتهم.

التخفّي

كان لي تجاربي الخاصة. عندما كنت مراهقاً، كنت ملتحقًا بإحدى الخلوات. كلُّ يومٍ كان ابتلاءً أمضيه في تجنُّب الضّرب من المعلمين.

كنت أعرف أنني سأختلف مع بعض الأصدقاء وأفراد العائلة بسبب هذا التّحقيق، ولكن كان على القصّة أن تُروى. رغم أنني اتُّهِمتُ، بينما كنت أعمل على القصّة، بأنّني ضالعٌ في “مؤامرة غربيّة لمهاجمة التّعليم الدّيني” من قِبل بعض الأشخاص الذين تحدّثت إليهم.

الصّحفي فتح الرحمن الحمداني. الصورة : جيس كيلي / بي بي سي

عندما تواصلتُ مع البي بي سي، كنت قد أمضيت سلفًا عدّة أشهر وأنا أصوّر وحدي تصويرًا سرّيّاً. أوّل خلوةٍ زرتها كانت تدعى خلوة “الحاج الدالي”، إذ قيل لي إن الانتهاكات تُرتَكبُ فيها. دخلتُ بخفّة إلى مسجد المدرسة لأصلّي الظّهر مع الجميع، وكنت أصوّر سرّاً باستخدام هاتفي أثناء الصّلاة.

عندما سَجَدتُ، سمعتُ قعقعةً. وقف قلبي ذعرًا. رفعتُ رأسي فرأيت أن أرجل الأطفال أمامي مقيّدةٌ بالسلاسل، كانوا مكبّلين كالحيوانات.

انتهت الصلاة، وجرجر الأطفال أقدامهم وخرجوا. وعندما هممْتُ بالرحيل، سمعت صراخاً عنيفاً وبكاءً مكتوماً.

الصورة : جيس كيلي / بي بي سي

تتبّعت الصّوت فأوصلني إلى غرفة دراسة مضاءةٍ بضوء خافت في مكان قريب، ووجدت طفلاً هناك ينتحب بهدوء، وساقاه مقيدتان. بدأت سرّاً بتصوير ما أراه.  كان ذلك الصبي هو “أحمد” وقال لي أنّه يريد العودة إلى البيت. حاولت أن أطمئنه، لكنني كنت أسمع أصوات الشّيوخ تقترب، فتوقّفتُ عن التّصوير، وغادرتُ الخلوة.

لكنني عدتُ في اليوم التّالي حتّى أتمكّن من كشفِ المزيدِ عمّا يجري هناك. بينما كنت أتحدّث إلى الأطفال محاولًا تصويرهم بهاتفي، لاحظتُ طالباً أكبر سنّاً يراقبني. غادر فجأةً وعاد بعد لحظات مع الشّيخ المسؤول عن المدرسة. أخذ الشّيخ يصرخ علي، وسأل عن سبب تصويري للطلاب. تمكّنت من الهرب بسرعة من الباب وإلى الشّارع.

ومن حينها، أبلغت إدارةُ “الحاج الدالي” البي بي سي إنه قد تم تعيين شيخ جديد ليكون مسؤولاً عن المدرسة وأن الضّرب والتّقييد قد توقّفا.

ذكريات من خلوتي

وصلتُ إلى المنزل مضطربًا. ما كان لأحدٍ أن يعرف مكاني لو أن الموقف تصاعدَ مع الشّيخ،  لكنني كنت مصدومًا أيضاً بما رأيته، فقد أعاد إليّ ذكرياتي أيامَ كنت في الخلوة عندما كنت مراهقاً، حيث كان الضرب شائعاً، ولكنهم لم يكونوا يقيّدون أحدًا.

عندما كنت في الرّابعة عشرة، كنت متحمسًا جدًا ليومي الأول في الخلوة. ارتديت الجلّابية وانتظرت الصّباح بفارغ الصّبر. ولكنني لاحظت من البدايات أن هنالك خللاً ما. لاحظتُ أن الأطفال الآخرين بدوا خائفين من الشّيوخ والمعلمين.

بدأت الانتهاكات في الجلسات المسائيّة. كان الشيخ يضربُنا لو أصابنا النّعاس وأغمضْنا أعيننا. لا بدّ أن هذا سيبقينا يقظين. بقيتُ في الخلوة لمدّة شهر تقريباً، وتحمّلت الكثير من الضّرب. عندما عدتُ إلى المنزل قلت لوالديّ أنني لا أريد العودة، رغم أنني لم أشعر بأنّني قادرٌ على إخبارهما عن الإساءة التي عانيت منها. لم يكونا راضيين عن قطع دراستي، لكنهما لم يجبراني على العودة.

مسح الخلوات

بعد المشاجرة مع الشّيخ المسؤول عن “الحاج الدّالي”، واجهتُ صعوبةً في استعادة ثقتي حتّى أواصل التّصوير في الخلوات. أخذت أدلّتي إلى شبكة أريج للصّحافة الاستقصائيّة، الذين أوصلوني بـ”بي بي سي” العربية. وعندها تغيّرَ كلُّ شيء.

عيّن لي المحرّرُ في لندن منتجاً هو “ممدوح أكبيك”. “ممدوح” سوريّ وأنا سودانيّ، وعلى الرغم من أن كلانا يتحدّث العربيّة، إلا أن لهجاتنا مختلفة جداً. لكن سرعان ما صرنا نعمل معًا بسلاسة.

أجرينا مسحًا للخلوات، وجمعنا الأدلّة، وتحدّثنا عن السّلامة والجوانب اللوجستيّة بشكلٍ كامل. لكن الأمور تغيّرت بالكامل عندما تلقّيتُ معدّات التّسجيل السرّي. أعطتْني المعدّاتُ الثقةَ لمواصلة عملي.

السّودان بلدٌ شاسع، يضمُّ جبالًا وسهولاً صحراويّةً واسعة والبحر الأحمر. أثناء التّحقيق، لا بدّ أنني غطّيتُ ما مساحته 3000 ميل منه، قطعتُ معظمها بالحافلة.

التقيتُ بعائلاتٍ تعرّضَ أبناؤها لسوء المعاملة. وفي بعض الحالات، توفّي هؤلاء الفتيان أثناء وجودهم في المدارس وكان من الصّعب تحديد سبب الوفاة.

يتمتّعُ الشّيوخُ بقدرٍ كبير من السّلطة والنفوذ في مجتمعاتهم لدرجة أنّه من النّادر أن توجّهَ إليهم العائلات أيّة تُهَم. أمّا القضايا التي تصلُ إلى المحكمة فغالبًا ما تمتدّ فترة التّقاضي فيها لدرجةٍ تدفعُ العديد من الأسر إلى الاستسلام. أو ينتهي الأمر بالتّسوية بالحصول على تعويض.

المعاركُ الضّاريةُ التي شنّتها العائلاتُ التي ظهرتْ في فيلمنا هي الاستثناء وليست القاعدة. تؤمن الكثير من العائلات أن الشيوخ يريدون الخير لطلّابهم، وأن الـ “أخطاء” إن حدثتْ فهي إرادة الله.

عائلتي ترى الموضوع بهذه الطّريقة، وكان عليّ أن أخفي تحقيقاتي عنهم. وكان هذا صعباً خاصّةً عندما زرتُ خلوةً في بلدتنا في شمال دارفور، التي يسكن فيها الكثيرون من أقاربي حتّى الآن.

بعد بثّ الفيلم، طُرِدْتُ من مجموعة الواتساب التي تضمّ عائلتي الممتدّة. ظننت أنهم سيرغبون على الأقل بطرح أسئلةٍ عليّ أو مناقشتي ، ولكن بدلاً من ذلك عاملوني كغريب. لكنني تلقّيت مكالمات من والديّ، الذين أخبروني أنهما سيدعمانني، إلّا أنّهم كانوا قلقين للغاية على سلامتي. شعرتُ بالارتياح لأن عائلتي كانت متفهّمةً جداً. 

الصورة : جيس كيلي / بي بي سي

ردّ الفعل على الفيلم

كان للفيلم تأثيرٌ كبيرٌ في السّودان. العائلات التي كانت محور تحقيقنا تلقّت فيضًا من عروض الدّعم الماليّ والقانونيّ والعاطفيّ من النّاس في مجتمعاتهم ومن حول العالم. كان هناك احتجاجات على وسائل التّواصل الاجتماعي، حيث دعا البعض إلى إغلاق الخلوات، في حين قال آخرون إن فيلمنا هجومٌ على الإسلام واتهموا هيئة الإذاعة البريطانية بالدّعاية المعادية للإسلام.

ولكن هنالك صوتٌ قويٌّ تباطأ بشكل واضحٍ في التّعليق: الحكومة الانتقاليّة السودانيّة التي كانت تتحدّث خلال العام الماضي عن إصلاح الخلوات. وقال في فيلمنا وزيرُ الشّؤون الدّينيّة السّوداني “نصر الدّين مفرح” إنه لن يكون هناك المزيد من “الضّرب أو التعذيب أو انتهاك حقوق الإنسان أو حقوق الطفل على الإطلاق” داخل الخلوات. ولكننا لم نرَ بعدُ أيّ تغييرٍ حقيقي.

قالت الحكومة السودانيّة بعد بثّ الفيلم الوثائقيّ إنها ستقاضي جميع المدارس التي صوّرتها الـ”بي بي سي”. كما أصدرت الحكومة قانونًا يحظر ضرب الأطفال في المؤسّسات التّعليميّة، وأوقفتْ تمويلَ جميع الخلوات بينما تُجري الحكومةُ مراجعةً للمدارس.

كلّ هذه التّطوّرات علاماتٌ على أن السودان يتعامل مع أشباح ماضيه القريب، ولكن وجود آلاف الأطفال المقيّدين بالسلاسل والمبرحين ضربًا، ما زال يطارد البلاد. تصرُّف الحكومة أو عدمه، اختبارٌ لإرادتها في الوقوف في وجه المؤسّسة الدّينيّة القويّة في السّودان.

ملاحظة: تمّ تغيير بعض الأسماء.

نشرت هذه القصة في الأصل من قبل “بي بي سي” في 7 ديسمبر 2020، وأعيد نشرها هنا بإذن.


فتح الرحمن الحمداني صحفيّ استقصائيّ سودانيّ مستقل. عمل مع “بي بي سي” العربية وشبكة أريج للصّحافة الاستقصائيّة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *