كيف تغطي “أفريكا كونفيدنشيال” القارة بنموذج اشتراكات ناجح

Print More

English

ترجمة:جهاد الشبيني

في عام 2017، كشفت “أفريكا كونفيدنشيال” عن تولي تشارلز تايلور، رئيس ليبريا السابق ومجرم الحرب، أمورَ حشودٍ انتخابيةٍ خاصة بمُقربين إليه، عن طريق هاتف داخل زنزانته البريطانية. في عام 2015، كشفت وكالة الأنباء الصغيرة عن عملية فساد مالي ـــ بقيمة 350 مليون دولار ـــ تنطوي على قروض غربية من أجل أسطول صيد سمك تونة لم يكن يغادر المرفأ، في موزمبيق. وفي العام الماضي، كشفت عن إساءة استخدام ما يقرب من 5 ملايين دولار ـــ بغرض الاحتيال ـــ كانت مُقدمة في شكل معونات غربية إلى زامبيا، وقد أسفر الكشف عن طرد أحد الوزراء بالإضافة إلى تغطية صحفية من قبل الإعلام الدولي.

تم تأسيس “أفريكا كونفيدنشيال” في عام 1960، على يد مجموعة من الصحفيين البريطانيين، لتكون نشرة بريدية تتناول الرحلة السياسية للدول الأفريقية التي تركت الإمبراطورية البريطانية. والآن، تُغطي “أفريكا كونفيدنشيال” الدول الأفريقية الـ54 جميعًا وتُقدم رؤية متعمقة لتلك المنطقة، ذات بموثوقية واتساق.

بيد أنه في ظل التحولات التي يشهدها الإعلام الرقمي، تجنبت “الصفحة الزرقاء” الخاصة بأفريقيا تلك الأدوات المعقدة المتعلقة بالإيرادات التي أُجبِرت وسائل الإعلام على تجربتها، مثل: عرض المحتوى أو حجبه استنادًا إلى الاشتراكات، والتمويل عن طريق الجمهور، والإعلانات المُبرمجة، ونظم قواعد البيانات المتسلسلة أو اقتطاع التكاليف ورسوم الاطلاع على المحتوى.

بدلًا من القيام بذلك، تحدَّت المجموعة المعنية بالشؤون السياسية، التي يقع مقرها في لندن، التوجهات العالمية من خلال الإبقاء على نموذج الاشتراكات القديم، بل ورفع قيمته السنوية إلى السماء ليصبح 902 جنيه إسترليني (1135 دولار أمريكي بالتمام والكمال).

لقد كانت “أفريكا كونفيدنشيال” حقًّا مُكلفة في أواخر الثمانينيات، إذ كان الحصول على جميع إصدارتها السنوية البالغ عددها 25 يُكلف 80 جنيهًا. أما الآن فمع نشرتها الإخبارية وإمكانية الاطلاع على موقعها والأرشيف الرقمي الضخم الذي توفره، فمن الممكن لتكلفتها أن تزيد عن عشرة أضعاف تكلفة الاطلاع على أعرق الأسماء في الأخبار والصحافة الاستقصائية حول العالم.

الاستفادة من البيئة الملائمة

يرجع هذا، في جانب كبير منه، إلى أن المشتركين في “أفريكا كونفيدنشيال” ـــ على نطاق واسع وبشكل متزايد ـــ مؤسسات، على سبيل المثال: المنظمات غير الحكومية، الوزارات، شركات التأمين، الشركات متعددة الجنسية، والوكالات الاستخباراتية. بيد أن أندي وير، نائب رئيس تحرير “أفريكا كونفيدنشيال”، يقول إن هذا مجرد جزء من قصة الاستمرارية.

يُفسر “وير”: “لقد حظينا بسمعة لمدة طويلة؛ 60 سنة تقريبًا. وأنتجنا قصصًا معتمدة على مصادر جيدة وتتناول موضوعات لا يكتب عنها سوانا، مثل: صراع القوى العُظمى الأولي بين روسيا وفرنسا، الذي يبدأ الآن في جمهورية أفريقيا الوسطى. بالإضافة إلى أننا نقدم أرشيفًا رقميًّا يغطي 30 عامًا. كل هذا يساعد الصحفيين في منتصف سيرتهم المهنية على إقناع رؤسائهم بضرورة الاشتراك”.

كذلك، يُقر “وير” بأن الجانب السلبي من نموذج السعر المرتفع هو أنه يحد من نمو القُرَّاء. على سبيل المثال، فإنه بعيد جدًّا عن متناول أغلب الصحفيين العاملين في القارة، إذ ستوَاجه تكلفة الاشتراك برفض من قبل رؤسائهم مهما كانت رغبتهم في الحصول عليها. وبالفعل، بينما كان “وير” يصف أعداد القراء بـ”عشرات الآلاف” منذ 30 عامًا، فإنه يتحدث عنهم الآن بـ”الآلاف”.

إلَّا أن عدد المراسلين وعدد الدول التي تتم تغطيتها استمرا في الزيادة، وكذلك أخذت التحقيقات الاستقصائية تظهر بمعدل أكبر.

تمكن أحد الكُتَّاب المساهمين من الحصول على إشعار تنفيذ من هاليبرتون، أحد كبار المقاولين في مجال الطاقة بنيجيريا، كشف من خلاله عن مخطط للمغالاة في الأسعار، وقد استُخدِم هذا الإشعار لاحقًا من قِبل وزارة العدل الأمريكية بُغية فرض غرامات بقيمة 450 مليون دولار. كذلك، فقد حصل مساهم آخر في زيمبابوي على تقرير داخلي يحمل دليلًا دامغًا على انتفاع بعض كبار المسؤولين بالاتحاد الوطني الأفريقي الزيمبابوي – الجبهة الوطنية، الذي يتولى حكم البلاد، بشكل كبير من برنامج الحكومة المخصص لإعادة توزيع الأراضي المُفترض أنه موجه إلى الفقراء.

إن ابتكار الإيرادات الوحيد الذي اعتمدته “أفريكا كونفيدنشيال” في السنوات الأخيرة كان ردًا على التغير في حصة العضوية التأسيسية الخاصة بها أكثر منه تحولًا رقميًّا، إذ تفرض المجموعة الإعلامية الآن رسوم ترخيص جهاز ـــ مشابهة للنموذج الذي تتبعه “مايكروسوفت أوفِس” ـــ على مشتركيها الأكبر الذين يدفعون أكثر قليلًا على كل مستخدم إضافي في المكتب.

يقول “وير”: “لقد كان هذا تغيرًَا هامًا في الأعوام القليلة الماضية”.

كن على معرفة بجمهورك

تقول إليزابيث هانسن، كبيرة الباحثين المتخصصة في النماذج التجارية للإعلام المحلي التي تعمل في مركز “شورنستاين” للإعلام والسياسة والسياسات العامة التابع لكلية كينيدي بجامعة هارفارد، إن تركيبة الاشتراكات المُعتمدة على المؤسسات التي تتبناها “أفريكا كونفيدنشيال” مشابهة لتلك التي تعمل بها المطبوعات التجارية أكثر من تلك التي تعمل بها نظيراتها من المطبوعات الإعلامية.

وفي هذا الصدد، توضح: “الأمر مختلف بالنسبة إلى غرف الأخبار التقليدية”.

تشير: “فيما يتعلق بنماذج (الإيرادات) المشابهة، تُذكرني ‘أفريكا كونفيدنشيال’ بـ’ذا إنفورمِشن‘ في الولايات المتحدة الأمريكية التي (تُقدم) تغطية متعمقة لمجموعة من المشاكل والقضايا التي تتمتع بسوق حقيقي وأهمية سياسية”. على غرار “أفريكا كونفيدنشيال”، تُقدم “ذا إنفورمِشن” ـــ التي تغطي الصناعات التكنولوجية ـــ موضوعات شاملة لمشتركيها. ويقول موقعها: “نعطي (المراسلين) الحرية للكتابة عن موضوعات مهمة، ونخبرهم ألَّا يقلقوا حيال الأمور الصغيرة”.

هناك فارق واحد كبير، وهو أن “ذا إنفورمِشن” تُوَظف صحفيين محترفين، في حين تستعين “أفريكا كونفيدنشيال” بمساهمين محليين يمتهنون ما يصل إلى نصف دستة من المهن.

وعلى الرغم من ذلك، تجادل “هانسن” بأن استمرارية “أفريكا كونفيدنشيال” تُقدم درسين هامين للمؤسسات الإعلامية التقليدية: أهمية أن تكون “على معرفة بجمهورك” وقيمة الأرشيف الرقمي الشامل.

تُبين “هانسن”: “أرى نقطتي قوة في النموذج الذي تقدمه ‘أفريكا كونفيدنشيال’: لقد كان أمامهم حوالي 60 عامًا لبناء جمهور يهتم ويُقدر الموضوعات التي يقومون بتغطيتها وهذه عقبة كبيرة أمام المؤسسات الإعلامية الناشئة. إن ‘أفريكا كونفيدنشيال’ تفهم الأشخاص الذين تكتب إليهم، وهذا درس مهم للمطبوعات الأصغر. كذلك، فقد شهدنا نجاحًا في Single Subject Newsroom بخصوص المواقع المتخصصة التي تقوم بتطوير نشراتها الإخبارية عن طريق إستراتيجيات محددة جدًّا بخصوص المحتوى، بما يتوافق مع ما يبحث عنه قراؤوهم”.

تلفت “هانسن” إلى أن “مسألة السعر المرتفع” الخاصة بالمطبوعات التي تقدم آراء المتخصصين “ليست فقط ما يشعر الأفراد بالاستعداد لدفعه، بل (من الممكن) فعلًا أن يكون علامة على الجودة”.

صفحة زرقاء

فيما سبق، اِتُهِمت “أفريكا كونفيدنشيال” بأنها واجهة للمخابرات البريطانية.

وعلى ذلك يرد “وير”: “لقد وجه إلينا الناس هذا الاتهام في أيامنا الأولى، لكنني أستطيع أن أؤكد لك أن ‘أفريكا كونفيدنشيال’ لم تكن أبدًا منتجًا لأي وكالة استخباراتية. نحن نعتبر أنفسنا كاشفين للحقيقة، وليحدث ما يحدث. إن تركيزنا لا ينصب على الإنسانيات، نحن معنيون بالسياسة؛ فنحن نعتقد أن العنصر الأساسي في أفريقيا هو السياسة. إن تواجدنا هنا ليس بغرض الحصول على مزيد من النقود من أجل مساعدات غذائية طارئة لمجاعة في الصومال، إننا متواجدون هنا لنخبرك بسبب بحدوث المجاعة. إن لكل مجاعة جذرًا سياسيًّا؛ إنها ليست فعلًا إلهيًّا”.

لقد اكتسبت الصفحة الزرقاء اسمها المستعار عندما طُبِعت الإصدارات الأولى على ورق البريد الجوي الأزرق. يشير “وير” إلى أن أحد أسباب الإبقاء على اللون ربما تكمن في صعوبة عمل نسخ ضوئية مسروقة من اللون الأسود المطبوع على ورق أزرق. لا تزال النشرات الإخبارية زرقاء.

يقول: “نحن رقميون بشكل متزايد بالتأكيد، ومع ذلك سيكون من الحماقة أن نتوقف عن الإنتاج المطبوع لأنه حقًّا رخيص جدًّا. إذا انتزعتْ كل شيء مما بنى علامتك التجارية خلال تلك العقود كلها، فستخسر شيئًا”.

بيد أن السياسة الثابتة المتعلقة بنشر الأسماء تُعد واحدة من الأمور المحورية؛ حتى أكثر من الورق الأزرق الذي يصدر به هذا المنتج. بأسلوب تحريري يُذكرنا بـ”ذا إكونومِست” و”برايفت أي“، تُبرِز “أفريكا كونفيدنشيال” الصوت الواحد الذي تحمله المطبوعة نفسها وتصنع ذلك التوازن بين الحقائق المدعومة بمصادر والجوانب التي تحمل نكهة الافتتاحيات. فضلًا عن أن العناوين غالبًا ما تحمل طابعًا خفيف الظل ومستوى عال من الثقافة، مثل: “لا وداع لصفقات السلاح” (جنوب أفريقيا)، “كابيلا يُسمي وليه في العهد” (جمهورية الكونغو الديمقراطية)، و”عرش متنازع عليه للتمساح” (زيمبابوي).

يوضح “وير”: “نحن ميالون إلى الصحافة على طريقتها القديمة، مع الإقرار بوجود خيط رفيع جدًّا من الناحية الصحفية، إذ إن الاستعانة برأي شخص آخر من شأنه أن يوحي بأنك تكتب افتتاحية، في الوقت الذي لا تستطيع أن تكتب الموضوع على أنه افتتاحية. نحن لا ننسب الأقوال إلى المحللين، لأننا نحن المحللون. إن مسألة عدم كتابة الأسماء هي الجزء ‘السري’، وهي مسألة ضرورية، إذ يمكن للمراسلين أن يقعوا في المشاكل بالنظر إلى أنهم يكتبون من أماكن لا تتقيد بقاعدة أو قانون أو تتمتع بصحافة حرة”.

إن العديد من هؤلاء المراسلين ليسوا صحفيين محترفين، إذ من بينهم الأكاديميون والعاملون الميدانيون في المنظمات غير الحكومية والموظفون المدنيون، فضلًا عن أن الإنجليزية ليست اللغة الأولى لكثير منهم. وهو ما يعني وجود عبء عمل تحريري كثيف.

يوضح “وير”: “نحن نعيد كتابة الكثير، وما يبقى دون تغيير قليل جدًّا. إن الأمر يتعلق بالوصول إلى تلك النبرة الموحدة أو ‘الصوت’ الذي تحتاج إليه مطبوعة لا تنشر الأسماء. بخلاف ذلك، غالبًا ما تكون المصادر والتغطية رائعة وشجاعة”.

تكاليف تشغيل محددة

يقول بول آدمز، مراسل “فاينانشال تايمز” السابق في أفريقيا، إن بعضًا من أهم الموضوعات التي قامت بها “أفريكا كونفيدنشيال” وكانت بمثابة سبق صحفي لم يتم التطرق إليها أو ذكرها من قِبل الإعلام الغربي، لكنهم يبقوا “معيار التغطية الموثوق فيها التي تصدر باللغة الإنجليزية عن أفريقيا”.

يُبين “آدمز”، الذي أُلقي القبض عليه ذات مرة في نيجيريا بسبب تحقيق عن تورط الحكومة في الصراع بدلتا النيجر، أن النموذج الذي تقدمه “أفريكا كونفيدنشيال” من الممكن أن يعطي رؤية متعمقة للكيفية التي يمكن من خلالها لغرف الأخبار أن تحافظ على استمرارية التحقيقات في دول بعيدة، عن طريق التحكم في النفقات واللوجستيات. “وهي تقوم بذلك عن طريق تحديد القصص التي تحتاج إلى تغطية، وكيفية العثور على أشخاص (محليين) بإمكانهم البحث وراء تلك القصص وكتابتها دون الاضطرار إلى تحمل النفقات الكبيرة التي يتم توفيرها (من أجل) التحقيقات”.

يشير “آدمز”، الذي يعمل الآن مستشارًا معنيًّا بالشؤون الأفريقية في SRM، وهي شركة إدارة مخاطر مقرها لندن، إلى أن شبكة المراسلين توفر مصدر دخل ثابت للمراسلين الأفريقيين “في وقت يشهد انخفاضًا في الطلب”.

يقول “وير” إن هناك خليطًا من القصص التي يتم اقتراحها بشكل شخصي وتلك التي يتم التكليف بها، بيد أنها جميعًا تركز من الناحية الفعلية على الجانب الاقتصادي أو السياسي، موضحًا أن غالبية القراء يميلون إلى القصص التي تتناول الكيانات الاقتصادية الضخمة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مثل: نيجيريا، وجنوب أفريقيا، وكينيا.

أحد العناصر الأخرى التي تساعد على استمراريتها هو السيطرة المحكمة على تكاليف التشغيل. بينما يتنقل باتريك سميث، كبير المحررين، بين باريس ولندن وأفريقيا، يؤدي “وير” عمله من “مكتب بالغ الصغر في وسط لندن”، ويعمل المحررون والمدققون عن بعد، ويتلقى المراسلون 375 دولار مقابل قصص يصل حجمها إلى ألف كلمة، بالإضافة إلى نفقات بسيطة للمشروعات الاستقصائية.

يضيف “وير”: “إن كانت هناك قصة تستوجب نفقات، سندفع. لكن غالبًا ما يكون رجالنا هناك بالفعل. إن العديد من مراسلينا ليسوا صحفيين أساسًا، ولا يتم تحفيز العديد منهم بالرسوم وإنما بما يحفزنا جميعًا: الحاجة إلى إظهار الحقائق المهمة”.


روان فيليب” مراسل إخباري وتجاري دولي يعيش في “بوسطن”. فيما سبق، خلال مسيرته المهنية التي امتدت 15 عامًا مع نسخة جنوب أفريقيا من “صنداي تايمز”، شغل مناصب تشمل “كبير مراسلين” و”مدير مكتب لندن”، وقد انتهت هذه الفترة بزمالات في “واشنطن بوست” وبرنامج “نايت” للصحافة العلمية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

Don't miss a thing

Subscribe to GIJN's email newsletter and get the latest
investigative journalism news, tips and resources delivered to your inbox


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *