لن تتراجع صحيفة كازاخستان الجريئة

Print More

English 

بعد مرور ثلاث سنوات على تعافيه من محاولة اغتيال، ترك الصحفي لوكبان أخمدياروف وظيفته اليومية، واتجه إلى إدارة الأعمال.

لكنه سرعان ما شعر برغبة في العودة.

يقول أخمدياروف: “اكتشفت أن من الأسهل أن تكون صحفيًّا في بلد غير حر على أن تكون رجل أعمال، على الأقل يكون لديك الكثير لتكتب عنه”.

لم تكن الصحافة سهلة أبدًا في كازاختسان. وكانت أورال، مسقط رأس أخمدياروف، المعروفة أكثر باسمها الروسي “أورالسك”، تبدو بعيدة عن سيادة القانون نفس بعدها عن العاصمة؛ ألفين كيلو متر بالسيارة. ونادرًا ما عرف أخمدياروف والصحيفة التي يحررها

في الثالث والعشرين من يونيو، اقتيد خمسة مراسلون من الصحيفة للاستجواب، وذلك أثناء توجههم إلى ميدان أورالسك المركزي لتغطية واحدة من سلسلة تظاهرات عشوائية على نطاق الدولة، وكانت التظاهرات الصغيرة قد انطلقت بدعوى من رمز المعارضة المنفي اختياريًّا “مختار أبليازوف“، العدو اللدود للرئيس المتشدد المتقادم في السن “نورسلطان نازابايف”.

وكان أخمدياروف، البالغ من العمر 42 عامًا، من أول من تعرضوا للاعتقال عند خروجه من منزله في ضواحي المدينة وأشارت زميلته، ماريا ميلنيكوفا، وهي أم لاثنين، إلى أنها احتُجِزت عشر ساعات دون طعام أو شراب بعد القبض عليها في ميدان أورالسك المركزي.

أُطلِق سراح الصحفيين، فيما بعد، دون توجيه أي تهم، واقتيد عشرات الأشخاص في سيارات الشرطة، أثناء محاولتهم الاحتشاد في ألماتي وأستانة.

من جانبه، قال راؤول أبوروف، مصور ومحرر إلكتروني يعمل بالصحيفة منذ فترة طويلة، في تصريحات لـEurasianet: “تم احتجاز فريق الصحفيين الخاص بنا بأكمله، حتى أنهم أخذوا متدربًا لدينا. على حسب علمنا، فإن مسيرة أورالسك لم تخرج أصلًا”.

ووفقًا للقانون الكازاخستاني، فإن منع الصحفيين من أداء عملهم يعد جريمة، إلَّا أن السلطات المحلية التي شنت حربًا على الصحيفة منذ نشأتها في عام 2001، لديها خبرة كبيرة في التحايل على مثل هذه الشكليات القانونية.

استدعت الشرطة الصحفيين بشكل رسمي، بعد تعليق كُتِب تحت أحد فيديوهات قناة الصحيفة الرسمية على يوتيوب، يحث الناس على المشاركة في مسيرة غير مصرح بها.

وكانت هناك تغيرات خاصة بقانون الإعلام، تم تمريرها نهاية العام الماضي، قد لاقت انتقادات كبيرة، إذ تقضي بإخضاع المنابر الإعلامية للمساءلة القانونية بشأن التعليقات التي تنشرها أطراف ثالثة على وسائل التواصل الاجتماعي، من بين أشياء أخرى. ربما لا تزال Uralskaya Nedelya بمثابة حقل اختبار لتطبيق هذا الحكم القمعي.

ووفقًا لتامرا يسلياموفا، مؤسسة وناشرة Uralskaya Nedelya، فإن الصحيفة تواجه على الأقل خمس قضايا سنويًّا، تُرفع غالبًا من قِبل السلطات المحلية.

وتقول إن الدعاوى القضائية تُقدم بـ”هدف واحد وهو لتدمير Uralskaya Nedelya”.

وتكون أحكام غالبية القضاة المحليين ضد الصحيفة، التي كانت تُطبع في فترة ما على بعد 500 كيلومتر في أتيراو، بسبب ضغط الحكومة على المطبعة المحلية.

في نهاية العام الماضي، دفعت Uralskaya Nedelya عشرين ألف دولار رسوم تقاض بعد أن تم الفصل في ثلاث قضايا لصالح السلطات المحلية. ومع ذلك، فلا تزال هناك قضيتان أخريتان من المقرر أن يتم تداولهما في المحاكم.

وتهدد هذه النفقات بقاء صحيفة كانت تتمتع بفائض نقدي حتى عامين مضيا، بفضل أرباح الإعلانات.

وقد تسبب التراجع العام الزائد في الطلب على وسائل الإعلام المطبوعة في تفاقم معاناة البقاء، إذ أدى الأمر إلى تخفيض التوزيع وتركيز الموارد على تطوير الموقع، مثل غيرها من الصحف حول العالم.

وقالت يسلياموفا، لـEurasianet، في حوار أجري مؤخرًا بمكاتب الصحيفة: “لا يمكنك الوقوف أمام الثورة التكنولوجية”.

“عندما طبعتُ الصحيفة للمرة الأولى بمئة ألف تينج (أكثر من 600 دولار) سلفًا للإعلانات، وعَدت قراءنا بأننا سنصل إليهم مرة واحدة في الأسبوع دون توان، وحافظنا على وعدنا، إلَّا أن الناس لا تود أن تنتظر معلوماتنا أسبوعًا”.

كان أخمدياروف وسط أغلب معارك الصحيفة مع السلطات المحلية، إذ يُشار إليه على نطاق واسع باعتباره أحد أكثر الصحفيين العنيدين في كازاخستان وناقدًا جريئًا لنازاربايف.

ويمثل أخمدياروف وصحيفته، للبعض، رمزًا لروح التمرد الراسخة في أذهان الجزء الشمالي الغربي من كازاخستان الحديثة، منذ أيام الإمبراطورية الروسية.

يقول سانات يورنيلييف، الذي عمل صحفيًّا، على مدار ثلاثة أعوام متفرقة، في Uralskaya Nedelya، بالإضافة إلى قضاء خمسة أيام في زنزانة شرطة مع أخمدياروف، عام 2011، بعد أن نظم الاثنان اعتصامًا، ضد نازاربايف، شارك فيه رجلان بمركز المدينة، إن “الناس هنا مختلفون قليلًا؛ يتحدثون بما يفكرون فيها وصريحون، حتى أنهم يكونون قساة في بعض الأحيان”.

وأضاف يورنيلييف، البالغ من العمر 33 عامًا، والذي يعمل حاليًّا في مراسلًا في خدمة كازاخستان التابعة لإذاعة أوروبا الحرة بالمنطقة، والذي أيضًا تم احتجاز في الرابع والعشرين من يونيو: “بدأتُ شراء Uralskaya Nedelya فقط من أجل قراءة مقالاته؛ لقد حاولوا قتله، لكنهم لم يستطيعوا. أعتقد ربما أنه لا يمكن قهره”.

تم الحكم على أربعة رجال، في الهجوم الذي تعرض فيه أخمدياروف للطعن عدة مرات والرمي بالرصاص عن طريق مسدس ضغط هواء، إلَّا أن مدبر الحادث لم يُعرف أبدًا.

وقد اعتقدت Uralskaya Nedelya لفترة طويلة أن الهجوم تم التخطيط له من قبل السلطات المحلية وأن المواجهة التي طال أمدها قد وصلت إلى ذروتها.

يقول أخمدياروف: “لم تكن لدينا علاقة مع الحاكم الإقليمي في ذلك الوقت”.

كان باكتيكوزها إزموخامبيتوف، الذي تولى رئاسة الهيئة التشريعية الدنيا في كازاخستان، عام 2016، قد وصل بالفعل إلى سن التقاعد بحلول الوقت الذي تولى فيه منصب حاكم منطقة كازاخستان الغربية، عام 2008، وقد كان معتادًا على نيل الاحترام أينما ذهب.

وكان أخمدياروف، في تلك الفترة، قد ترك الصحيفة ليبدأ عمله في وظيفة مشؤومة لم تدم طويلًا، كمحرر أخبار في محطة تليفزيونية إقليمية ذات ملكية خاصة.

“قال إزموخامبيتوف، في ختام أول مؤتمراته الصحفية: جميعكم يطرح أسئلة لطيفة، أليس عند أحدكم سؤالًا صعبًا؟”.

كانت الدعوة مغرية جدًّا على أن يقاومها أخمدياروف.

“قلت: توجد منشأتان هنا قيد البناء؛ مستشفى لمرضى السرطان ومدرسة في الضواحي، ويقوم على إنشاء الاثنين زوج ابنتك، بينما تم تعيين شقيقتك مديرة للمدرسة، ذلك على الرغم من أنه لم يتم بناءها بعد”.

قلد أخمدياروف تعبير الدهشة على وجه الحاكم، وهو يتذكر: “رأيت مزاجه ينقلب بينما الكلمات تخرج من فمي، ثم سألته: قل لي، هل لديك أقارب آخرون مشاركون في التهام موارد الميزانية؟”.

انفجر إزموخامبيتوف ووصف السؤال بأنه “غير أخلاقي”، وسط خطبة عنيفة مسهبة انتهت بصفع الباب، وطُرد أخمدياروف من قِبل مديره قبل أن يعود إلى مكتبه حتى، وسرعان ما عاد إلى مكانه القديم المعتاد.

ورغم أن اهتمام Uralskaya Nedelya مُنصب في الأغلب على قضايا ذات شأن محلي، فإنها رائدة في الكثير من الأمور على المستوى الوطني.

وفقًا لما تقوله تامارا كالييفا، التي تعمل في Adil Soz، المعنية بالدفاع عن وسائل الإعلام، فإن العديد من وسائل الإعلام الإقليمية الأخرى المستقلة تحريريًّا وماليًّا قد خففوا من حدة تغطياتهم بعد أعوام من الضغط المتواصل من الحكومة. من بين هؤلاء: Diapazo، التي يقع مقرها في المدينة الغربية “أكتوبي”، والتي رفعت ضدها، في إحدى المرات، 22 قضية في يوم واحد.

وهكذا، يبقى قلم المُشرع ومطرقة القاضي العدوين الرئيسيين للصحافة المستقلة في كازاخستان، فيما لا تعد الهجمات شبه الفتاكة، مثل تلك التي شُنت ضد أخمدياروف، القاعدة، بل الاستثناء، ومع ذلك فإن نتائج هذا الاعتداء على حرية التعبير، أي: الخوف والرقابة الذاتية، هي نفسها، وفقًا لما أشارت إليه كالييفا.

وأضافت: “في كازاخستان، نحب أن نقول إننا لا نقتل الصحفيين، وأننا متحضرون جدًّا بدرجة لا تسمح لنا بأن نفعل ذلك، ولكن بدلًا من ذلك، فإننا نقتل الصحافة عبر المحاكم”.


نُشر هذا المقال للمرة الأولى على موقع Eurasianet وأعيد نشرها هنا بعد الحصول على إذن.

كريس ريكيلتون هو مراسل وكالة الأنباء الفرنسية في وسط آسيا، ويعيش في ألماتي بكازاخستان. عمل محررًا لأصوات عالمية بوسط آسيا، وكان ضمن فريق الكتاب في EurasiaNet، ومحرر اللغة الإنجليزية في Kyrgyzstan’s Kloop Media وأستاذًا مساعدًا في قسم السياسات المقارنة والدولية في الجامعة الأمريكية بآسيا الوسطى.

Don't miss a thing

Subscribe to GIJN's email newsletter and get the latest
investigative journalism news, tips and resources delivered to your inbox


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *