ستة دروس من الكتابة الاستقصائية عن “القلوب الكسيرة

Print More

في أواخر عام ۲٠١٧م، تلقت شريكتي كاثلين ماكجروري المحققة في تامبا باي تايمز، أخبارا تفيد بأنه قد تكون هناك مشاكل في وحدة جراحة القلب في مستشفى جونز هوبكنز للأطفال في سان بطرسبرج، فلوريدا.

إنتهى الأمر بأنتاج  سلسلة تسمى القلوب الحزينة، وهي واحدة من أصعب المشاريع التي عملنا عليها.

لقد أمضينا معظم عام ۲٠١٨م نخوض التحديات واحدا تلو الآخر من التحديات التي واجهتنا لإعداد تقريرنا الاستقصائي. كان الجراحون وخبراء الطب يرتعدون خوفا من التحدث عن مستشفى جونز هوبكنز، ولم يكن هناك أي دعوى موجهة للمستشفى عن سوء المعاملة او الممارسات الطبية. لم يستجب المستشفى لنا لتزويدنا بأية تفاصيل حول مثل هذه المشاكل. ولم تكن تتوفر أية طريقة لتقييم أداء وحدة القلب هناك.

لقد أوشكنا على الإستسلام عدة مرات.

وعوضا عن ذلك، وبعد أشهر من العمل، تمكنا من إظهار أن معدل وفيات الأطفال الذين ماتوا خلال عام 2017م بعد إجراء عمليات جراحة قلب لهم كان يفوق أكبر بثلاثة أضعاف المعدلات الحكومية والمعدلات ​​الوطنية المعلنة. أثار العاملون في الخطوط الأمامية في معهد القلب بالمستشفى القلق في وقت مبكر من عام ۲٠١٥م، وعلى الأغلب تم تجاهلهم إلى أن فات الآوان.

كتبت كاثلين عن كيفية  حصولنا على القصة لمركز USC  أننبرج المتخصص بالصحافة الصحية. تتضمن مقالتها كيف وجدنا مرضى معهد القلب، وقمنا بتحليل بيانات القبول الخاصة بالولاية، والتواصل مع أشخاص يعلمون بخفايا الأمور.

وراء كل هذه التقارير، أبتكرنا أيضا مجموعة من الإرشادات لردعنا عن الاستسلام او التخلي عن القصة طيلة العمل عليها. نحن لم نتتبعها دائما بشكل مثالي، ولكن وضع الأمور التالية بعين الاعتبار ساعدنا في إجتياز هذا الاختبار الصعب.

إليكم بعض النصائح للنجاة خلال عمليات الكتابة الاستقصائية المنهكة والطويلة الأجل.

١– البقاء على إتصال مع المحررين (أو المستشارين)

واجهنا مشكلة واحدة على الأقل كل يوم أثناء مدة إعداد هذا التقارير؛ اذ توقف أحد المصادرعن الإستجابة لمكالماتنا الهاتفية وأثارت ورقة بحثية تساؤلات حول صحة تحليلنا للبيانات، كما قاد يوم كامل من طرقنا للأبواب إلى لا شيء على الإطلاق.

من المهم للغاية أن يكون لديك شخص تتحدث إليه بشكل دوري ومنتظم. وإذا لم يكن المحرر هو هذا الشخص، فقم ببناء مجموعة موثوقة من زملاء العمل أو الأصدقاء أو المستشارين.

تقريبا بعد كل عائق من العوائق، قمت أنا وكاثلين بالإتصال ومراسلة محررنا آدم بلايفورد. لقد كان بمثابة مصدر الدعم المؤثر فينا خلال المرور بالضغوطات اليومية الشديدة (علاوة على كونه محرر تحقيقات منقطع النظير). كانت قدرته على تحليل المشاكل وإيجاد الخطوات التالية أمرا حيويا ومهما. فبدونه، كان من السهل جدا أن تغوص في بحر من المشكلات التي تظهر واحدة تلو الأخرى لأن الأمر إستمر لأشهر عديدة.

لم يكن هذا بسبب عدم قدرتي أنا وكاثلين على حل المشكلات، ولكن وجهات النظر الخارجية تكون مفيدة جدا خلال مثل تلك المشاريع.

عادة، كنا نعمل على العديد من المهام المختلفة في أي وقت يمنح لنا. وكلما أبطأنا أحداها، يتأثر التقدم في كل المهام الأخرى، ولكن آدم أبقانا على المسار الصحيح وبالسرعة القصوى المطلوبة.

من المهم للغاية أن يكون لديك شخص تتحدث إليه بشكل دوري ومنتظم. وإذا لم يكن المحرر هو هذا الشخص، فقم ببناء مجموعة موثوقة من زملاء العمل أو الأصدقاء أو المستشارين.

لقطة شاشة من سلسلة تامبا باي تايمز “القلوب  الكسيرة “.

۲ .إحتفظ بقائمة أسبوعية للمهام التي يمكن تنفيذها

عندما بدأنا بإعداد تقارير” القلوب الحزينة”، كان كل عنصر في قائمة المهام الخاصة يظهر بأنه يحتاج شهورا من العمل. في البداية، كان ذلك مثبطًا للهمم ومحبطا للغاية. كانت ستمر أسابيع دون الشعور بتحقيق أي شيء. بدأت الأشياء و كأنها مستحيلة وبأننا لن نتقدم للأمام.

وبسرعة أدركنا أننا بحاجة لطريقة محكمة لنبقي تركيزنا على المهام المنفصلة. بدأ آدم في تتبع الأهداف الأسبوعية في وثيقة وكنا نلتقي كل يوم ثلاثاء للتحديث والمناقشة. كان لقوائمنا أربعة فئات: ملخص للأسبوع السابق، أولويات الأسبوع الحالي، والمهام التي نضطلع بها، وأهداف الصورة الكبرى.

بعض الأسابيع كانت جيدة. في واحد منها، إلتقينا العديد من عائلات المرضى،  ووجدنا سجلات عامة محجوبة وتواصلنا مع الخبراء وأحرزنا تقدما كبيرا في تحليل البيانات. وعلى الرغم من أن الأسابيع الأخرى كانت أبطأ، إلا أننا كنا نتقدم في إعداد التقارير.  

لم تتمحورالقائمة حول قيام محررنا بمتابعتنا او مراقبتنا؛ ولكنها كانت وسيلة لقياس مدى تقدمنا ​​كمراسلين استقصائيين. بحلول نهاية العام، كان لدينا وثيقة تحدد العمل الذي قمنا به في كل أسبوع تقريبا. فقد إستطعنا الرجوع للقائمة عندما كتبنا القصة، لنتأكد من أننا لم ننس شيئا من التقارير المهمة.

۲. صوت المخاوف في وقت مبكر ومرارا

ظهرت المخاوف في أذهاننا خلال إعداد تقاريرنا: هل كانت البيانات دقيقة؟ هل المصادر على حق؟ هل القصة عادلة؟

عندما كانت تواجهنا مشكلة مع أي شيء، فقد كنا نقوم بمناقشتها بشكل عام مع بقية الفريق في أسرع وقت ممكن. مخاوف مثل هذه يمكن أن تتفاقم إذا تركت دون عرضها ومناقشتها . ولكن الحديث عنها مبكرا سيجعل القصص وإعداد التقرير النهائي أقوى. 

على الفور، تشكلت لدي رؤية أفقية. إعتقدت أن هذا لم يعد خطأ طبيا جديرا بالإهتمام وأنني أسأت فهم الحقائق.

أثناء العمل على قصصنا الأولية عن حالة طفلة حديثة الولادة، تم إخراجها عقب عملية جراحة مع وجود إبرة في صدرها، قال مصدر خبير شيئا مفاجئا بالنسبة لي. أن ترك إبرة أمرا عاديا، أذ قرر الجراح أنه من غير الآمن إستكمال البحث عنها، وأن هذا أمر جيد تماما.

على الفور، تشكلت لدي رؤية أفقية. إعتقدت أن هذا لم يعد خطأ طبيا جديرا بالإهتمام وأنني أسأت فهم الحقائق. تواصلنا كفريق عبر الهاتف وتناقشنا. ذكرني فريقي بأن والدا الطفلة لم يكونا على دراية بأنه قد تم ترك الإبرة، في خرق حقيقي لقانون الولاية. 

أخبرنا المدير التنفيذي للمستشفى أيضا أن هناك حالة إبرة ثانية، وأن برنامج القلب واجه “تحديات”. إقتبسنا كلام الخبير لإظهار أن الأخطاء ستحدث في الطب. لكننا أظهرنا أيضا أنهم بحاجة إلى إبلاغ المرضى وعائلاتهم بشكل صحيح.

سنعد لاحقا تقريرا عن أن خرق الثقة هذا كان جزءا من الاتجاه السائد. وجدت الدولة أن حالة الإبرة لم يتم الإبلاغ عنها إلى المنظمين، وهو إنتهاك آخر لقانون الولاية. وبعد تحقيقنا في نوفمبر، توصلت المراجعة الداخلية لجون هوبكنز إلى أن هناك ١٣ حالة أخرى من معهد القلب لم يتم الإبلاغ عنها بشكل صحيح إلى الولاية.

٤. كن منفتحا وواضحا مع القراء

عندما بدأنا بإعداد تقارير ” القلوب  الكسيرة” كان أحد أهم مخاوفنا هو تحليل البيانات.

أحد الجراحين الذين كتبنا عنهم، الدكتور جيفري جاكوبس، كان أيضا خبيرا وطنيا في بيانات جراحة قلب الأطفال. عندما غطت وسائل الإعلام الأخرى الموضوع، كان يتم الإستشهاد به في كل مرة تقريبا. شارك جاكوبس في تأليف عدة أوراق علمية متعددة كانت دقيقة في تحليلها بناء على بيانات القبول المتاحة للجمهور. فضّل إستخدام البيانات السريرية الداخلية فيها لقياس جودة برنامج عمليات جراحة القلب.

ولكن عندما لم ينشرالمستشفى بياناته الداخلية، قررنا إستخدام البيانات المتاحة للجمهور على أي حال. 

لقطة شاشة من سلسلة تامبا باي تايمز “القلوب الكسيرة”.

عرفنا طوال الوقت أننا بحاجة للنشر بشفافية وبشكل شامل. بحثنا عن كل ما يعارض تحليلنا عبر قراءة الأبحاث التي راجعها الأقران وأجرينا محادثات خلفية مع أكبر الخبراء. ثم، حددنا تلك الخلافات في كتاباتنا.

في النهاية، كان كل ما تعلمناه في منهجيتنا في تحليل البيانات. بايثون كود والبيانات الناتجة عنها تم نشرها على  Git Hub  (لقد منعنا إتفاقنا مع الدولة من نشر هذه البيانات).

عرِف معظم الأطباء وخبراء البيانات الذين تحدثنا إليهم بعد النشرأننا قمنا بما توجب علينا فعله. وقد تم توجيه القلة التي أظهرت مخاوف مباشرة إلى القسم المناسب في المنهجية.

٥.  تعامل مع الكتابة باعتبارها ممارسة تكرارية.

نكتب الكثير من المسودات. وكان تحقيق نوفمبر يحتوي على نحو ۲٠ تحقيقًا منفصلًا وحتى منهجية تحليل البيانات تضمنت ١٠ مسودات على الأقل.

 يمكن للشكوك أن تغير مسارك تماما. إذا عبرت عن مخاوفك، فإن الشيء الوحيد المتبقي هو الإيمان بعملية إعداد التقارير وتحريرها.

عملية الكتابة لدينا هي تقريبا مثل تكرار تطوير البرمجيات. لا نحاول تصحيحها تماما في المسودة الأولى أو المسودات الخمس الأولى، بل نعمل على مسودات أسرع ونتعلم منها بدلا من ذلك. من الأسهل ذلك بكثير العثورعلى نقاط ضعف التقارير والموضوعات الشاملة عند صياغة  التقارير في كلمات.

 عندها، يتعلق الأمر بتحسين المسودة السابقة وكتابة مسودة جديدة حتى تصبح القصة جاهزة. على امتداد العملية، وسيتم تعديل المسودات وإلغاء أقسام بأكملها، وستكون القصة النهائية أفضل بسببها.

٦. ثق في العملية

هذه واحدة من أولى النصائح التي تلقيتها عندما إنضممت إلى تامبا باي تايمز وإلتصقت بي منذ ذلك الحين. ثق بهذه الإرشادات وثق بالعملية التي يؤسسونها.

هناك عدة لحظات طوال مشوار الجهد المبذول لإعداد التقارير، حين يكون لأحد المراسلين شكوك ومشاكل، يمكن أن تغير مسار العملية بسبب يوم سيئ أو مشاجرة مع زميل أو لأي سبب كان. ولكن هذه اللحظات سوف تشعرك بأن القصة لا تسير في الإتجاه الصحيح، أو أن هناك الكثير من العمل لإنجازه لتحصل على القصة كاملة أو أن القصة ليست جيدة بما يكفي.

يمكن للشكوك أن تغير مسارك تماما. إذا عبرت عن مخاوفك، فإن الشيء الوحيد المتبقي هو الإيمان بعملية إعداد التقارير وتحريرها. إستمر في إعداد التقارير، وإستمر بملء المسودات وإستمر بتحسين القصة. لقد نجحت العملية من قبل، وستنجح مرة أخرى.


هذا المقال ظهر لأول مرة علي المصدر وتم إعادة نشره هنا بإذن مسبق.

نيل بيدي مراسل استقصائي في صحيفة تامبا باي تايمز. وعمل سابقا مراسلا ومطورا للبيانات. إنضم إلى التايمز في عام ۲٠١٦. وقبل ذلك، كان محللا تكنولوجيا لدى بنك التعاون والإستثمار في جي بي مورجان تشيس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *