كيف فعلوها: إعداد تقرير عن تستر منظمة الأمم المتحدة على جريمة قتل في الكونغو الديمقراطية

Print More

English 

أكسيل جورد هامليخو من لجنة التحقيق في المهمة وسونيا روللي، المراسلة في راديو فرنسا الدولي يحللون الصورة على اليسار – قبل دقيقة من مقتل إثنين من خبراء الأمم المتحدة في مارس ۲٠١٧ . الصور : بإذن من إس في تي

في ۲٧  نوفمبر ۲٠١٨  وفي تمام الساعة ٣٠ : ٧ مساء بتوقيت وسط أوروبا، قامت خمس مؤسسات إعلامية منفصلة بتغطية قصص مشابهة عن تستر الأمم المتحدة على جريمة مقتل موظفيها. لم يحتاج الأمر لشيء أكثر من “المشاركة الفعالة” لمعلومات بين هذه المنصات المتنافسة لكشف مؤامرة صمت عالمية.

وكانت القصص الاخبارية قد كشفت عن أن إثنين من خبراء حقوق الإنسان وهما مايكل شارب وزيدا كاتالان قد تم إستدراجهم بهدف قتلهم في جمهورية الكونغو الديمقراطية من قبل عملاء يتبعون للإستخبارات الحكومية الذين إدعوا أنهم مترجمين فوريين. وقد أحدثت المقالات صدمة كبيرة بين أوساط المجتمع الدبلوماسي عبر الكشف عن إخفاء تحقيق الأمم المتحدة عن كشف تورط حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية في جرائم قتل الموظفين الأممين .

طالبت التقارير بإجراء تحقيقات مستقلة في الحوادث التي تخص موظفي الأمم المتحدة، وسجن عقيد في جيش جمهورية الكونغو الديمقراطية الذي كشفت علاقاته بالمتآمرين القاتلين  عن طريق سجلات الهاتف.

مجلة الأخبار التلفزيونية السويدية وتحقيقات إس في تي، وأربع شركاء إعلاميين أخرين تقلدوا ميداليات المراسلين والمحررين الاستقصائيين لإنتقادهم “مؤسسة ضخمة ومعروفة وهي الأمم المتحدة لغضها النظرعن جرائم القتل”

ألقى مسؤولون في حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية اللوم على جماعة كاموينا نسابو المتمردة في جرائم القتل التي وقعت عام ۲٠١٧، ونشروا فيلم فيديو لإعدام مروع لدعم مزاعمهم. وقد ردد المحقق الرئيسي للأمم المتحدة هذا الإدعاء في التقرير الرسمي للأمم المتحدة، بل وأنتقد أيضا كاتلان وشارب لإستخدامهم دراجات بخارية خاصة بدلا من المرافقات الأمنية المفترضة.

لكن فريقًا من مراسلي إس في تي، ولوموند، وراديو فرنسا انترناشونال، ومجلة السياسة  الخارجية، و زود دويتشه تسايتونج، إستخدموا العديد من تسريبات وثائق الأمم المتحدة، وتسجيلات من مصادر خاصة، وتحليلا يدين مقاطع فيديو ومقابلات داخل البلاد للكشف عن تورط عسكري خبيث و تمويه منظمة الأمم المتحدة للأسباب. ودعت التقارير لإجراء تحقيقات مستقلة في الحوادث الخاصة بموظفي الأمم المتحدة، وسجن عقيد في جيش جمهورية الكونغو الديمقراطية التي كشفت علاقاته بالمتآمرين عن طريق تسجيلات لمكالماته الهاتفية كشف عنها فريق إس في تي.

الدبلوماسية الخادعة

فازت ميشين انفستيجيت بعشرة جوائز دولية من شركة تلفزيون الخدمة العامة في السويد، وحصل تقرير “الدبلوماسية الخادعة” على أكثر من مليون مشاهدة عند بثه في السويد وحدها.

قال أكسل غورد هومليخو، المراسل الرئيسي والمنتج لميشين انفستيجيت، أن نهج المشاركة الفعالة المستخدمة في التحقيق لم  تكن سبب في نجاح القصة وحسب، بل كانت سببا في سلسة من المنافع أيضا، مثل المصداقية التي لا غبار عليها، وتغطية المراسلين المعرضين للخطر والترويج الرقمي المتبادل.

تمكنت جميع فرق التحقيق من الوصول إلى كل شيء – بإستثناء أكثر الأعمال حساسية  للمصدر– وتمكنت دور النشر من نشر ما تريد من المعلومات بإستقلالية تامة.

تضمنت إستراتيجية المشاركة الجذرية، التي ذاع صيتها بسبب التحالف الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ) في تعاونها البنّاء مع أوراق بنما، تعاونا نشطًا وشفافية كاملة للبيانات بين منصات وسائل الإعلام المتنافسة. عادة، يتميزالنهج بتاريخ نشر متفق عليه ويستخدم للقصص الاخبارية التي تحتوي على مجموعات كبيرة من المعلومات أو تحديات عبر الحدود.

لم يكن هناك حدا نسبيا في قصة تستر منظمة الأمم المتحدة: تمكنت جميع فرق التقارير من الوصول إلى كل شيء – بإستثناء أكثر الأعمال حساسية  للمصدر– وتمكنت دور النشر من نشر ما تريد من المعلومات بإستقلالية تامة .

“في هذا التحقيق، كان لدينا مجموعة كبيرة من البيانات المسربة، وكنا بحاجة ماسة للمساعدة” ، كما يقول — هومليخو. “كنا بحاجة إلى مساعدة الصحفيين الكونغوليين المحليين ومن مجلة السياسة الخارجية لإستخدام تأثيرهم وتجميع الخيوط في الأمم المتحدة في نيويورك؛ كنا بحاجة إلى مساعدة في اللغة و فيما يحدث وراء الكواليس وجوانب أخرى عديدة. لقد كان  الأمر مثالا رائعا على التعاون الإعلامي الدولي. لقد عقدنا اجتماعات في باريس – وأعتقد أنه من المهم لإكتساب الثقة أن تصافح يد شخص ما – و أجرينا محادثات جماعية على قناة مشفرة الإشارة، ومكالمات جماعية مشفرة شهريا تستضيفها زود دويتشه تسايتونج. “

الصمت والإسكات

الموظفين في الأمم المتحدة، كاتالان وشارب قتلا رميا بالرصاص حتى الموت بالقرب من قرية بونكوندي في ١۲ مارس  ۲٠١٧، ودفنا في قبور سطحية.

وقالت الرواية التي قدمتها الحكومة والأمم المتحدة أن الخبيرين في مجال حقوق الإنسان قد قتلا على يد الجماعة المتمردة لأسباب غير معروفة، وأن مجازفتهما في عدم استخدام المرافقات الأمنية أو اللامبالاة تجاه التحذيرات قد ساهمت في حدوث المأساة.

يُظهر الفيلم الوثائقي – بشكل مدهش – أن المترجمين الفوريين الحاضرين قد أخطأ في ترجمة التحذير عن طريق نصح الخبيرين بالعكس قائلين ” يمكنكما الذهاب، لا مشكلة”

لكن قصة ميشين انفستجيت قدمت أدلة على وجود مؤامرة ودافع للقتل: كان كاتالان وشارب يبحثان عن أدلة على وحشية الجيش الكنغولي في المنطقة – وتحديدا المجازر والمقابر الجماعية – وتم إعدامهما لإسكاتهما. في الواقع، أظهر تحليل أجراه راديو فرنسا انترناشونال أن الأوامر الفعلية لإطلاق النار على الخبراء صدرت بلغة لينغالا – وهي اللغة الوحيدة التي يرفض متمردو كاموينا نسابو التحدث بها، كمسألة شرف.

يظهر تسجيل صوتي أخر أنه في اليوم السابق لجريمة القتل، تم تحذير الخبراء الإثنين من قبل شخصية كبيرة في المجموعة المتمردة بأنهم “سيهاجمون” إذا سافروا إلى بونكوند. لكن الفيلم الوثائقي يظهر – بشكل مدهش – أن المترجمين الفوريين الحاضرين قد أخطأ عن قصد في ترجمة التحذير لإخبار الخبيرين، قائلين “يمكنكما الذهاب إلى هناك؛ لا مشكلة”. وكشف فريق التحقيق عن وثائق تحقيق تابعة للأمم المتحدة عرفت المترجمين الفوريين كعملاء سريين لخدمات الأمن الكونغولية، وهي حقيقة مذهلة تم إستبعادها من تقرير منظمة الأمم المتحدة.

ماريا وإليزابيث مورسبي (إلى اليسار) – أم وأخت خبيرة الأمم المتحدة المقتولة زايدا كاتالان (يظهر إلى اليمين) –   كان ردهما على هذا الدليل أن المؤامرة المحيطة بوفاة كاتالان قد تم التستر عليها. الصور: بإذن من إس في تي

كما حدد فريق إس في تي الشخصية الرئيسية في المؤامرة – العقيد بالجيش الكونغولي، جان دي ديو مامبويني – واستخدم الفريق سجلات الهاتف لإظهار أنه كان على إتصال مع المترجمين الفوريين المزيفين وأعدائه المتمردين المفترضين في الأيام السابقة لجريمة القتل. وقارن الفريق المشترك أيضا بيانات برج الخلية بالمستندات المسربة لكشف شهادته الكاذبة في المحكمة عندما واجه اثنان من المتمردين اللذين يواجهان المحاكمة بتهمة القتل.

يقول نيلز هانسون، الذي يعمل حاليا محرراً إستقصائيَا لأخبار إس في تي، أن نهج المشاركة التفاعلية ساعد أيضا في عملية التأكد من الحقائق.

يقول هانسون “كان من المهم أن يحصل جميع الشركاء في هذا المشروع على الحقائق المسربة كاملة حتى يتمكن الجميع من إستنباط إستنتاجاتهم من المعلومات”. “وبهذه الطريقة، تصبح القصة أكثر صلابة ومقاومة، حيث يمكن لجميع الصحفيين التصحيح لبعضهم البعض وإيجاد الأخطاء في تقاريرنا. كانت هذه طريقة جديدة للعمل: الوثوق بجميع أعضاء الفريق من مختلف البلدان للتأثير على إعداد التقارير للمشروع بأكمله. “

يمثل إستخدام المستندات السرية والتسجيل الصوتي السري مشكلة محتملة للتعاون الدولي لوسائل الإعلام ، مع وجود قوانين ضابطة مختلفة في بلدان ودول مختلفة.

كان من المهم بالنسبة للقصة أن أختين تتمتعان بنفس الحدس لتسجيل المحادثات الرئيسية سرا. مثلما سجلت كاتالان إجتماع “التحذير” في ١١ مارس، شقيقتها إليزابيث مورسبي – التي عادت إلى السويد – لاحقًا سجلت لمحقق الأمم المتحدة الذي يعترف بتبني نهج بديل لتقريره في زيارة للعائلة.  وقد تم الاستماع اليه وهو يقول: “في التقرير، لا أقول” الجيش “أو أشياء من هذا القبيل لأننا نريد أن يواصل الكونغوليون العمل معنا على هذا الأمر. لا نريد أن نجعل التقرير سيئًا حتى لا يتوقفواعن التعاون. هناك خط لا يريدون عبوره من حيث لا يريدون إقحامهم في الأمر”.

يقول هومليخو: “كان  أول رد فعل على دليل المترجمين الفوريين المزيفين صدمة لي، والثاني، بالطبع، كان التأكد: هل يمكن أن يكون هذا صحيحا؟ لكن كان من الصعب للغاية بالنسبة لي أن أصدق أن الأمم المتحدة ستضحي بالحقيقة حول خبرائها [المقتولين] فقط للحفاظ على العلاقات مع نظام كابيلا الوحشي. أعني ما هو السبب؟ لكنني فهمت أولاً هدف هذه العقلية عندما سمعت التسجيل … وهو يشرح هذا التبرير الغريب للعائلة، ولجميع الناس. الخداع الصِرف “.

قوة الشراكات

يعترف هومليخو بأن إستخدام المستندات السرية والتسجيلات الصوتية السرية يمثل مشكلة محتملة للتعاون الدولي لوسائل الإعلام، مع قوانين ضابطة مختلفة تعمل في مختلف البلدان والدول.

في النهاية، يقول، إن الشركاء كانوا حريصين على إستخدام التسجيل السري إعتمادا على أي ولاية أمريكية يتبع الشخص الموجود في وقت التسجيل، وأن مجلة السياسة الخارجية، على وجه الخصوص، كانت حريصة على إستخدام الوثائق السرية التي تعتبر قانونية في نطاق القضاء .

كما شكَل التعاون تحديات محتملة للكشف والحظر، حيث تعدد الشركاء من الإذاعة والمجلات إلى الأخبار الوثائقية والبرامج التلفزيونية على الإنترنت؛ يحتاج التلفزيون، على سبيل المثال، إلى خمسة أسابيع إضافية للتحرير.

“يمكن للقراء أن يعرفوا أن أربعة من أصل خمسة عناوين رئيسية منفصلة قد مررت نفس المعلومات وتوصلت إلى إستنتاجات مماثلة.” – أكسل غورد هومليخو.

يقول هومليخو إن المفتاح يكمن في إتخاذ القرارات المشتركة بشأن التوقيت. يقول إنهم قرروا “أن يجعلوا القصة رسمية” – كاشفين عن أدلتهم الكاملة على المصادرالمستجيبة – فقط بعد أن غادر جميع المراسلين الغربيين المعرضين للخطر دولة الكونغو، وخلال أربعة أسابيع من النشر، بعد أن بدأ نشر الفيديو بالفعل على قناة إس في تي. في حين لم يتمكن الشريك الإعلامي الكونغولي  لإس في تي من النشر مباشرة بسبب تهديد الإنتقام، فقد مكنه التعاون على الأقل من الحصول على الحقائق من خلال “الإبلاغ عن التقارير”.

بالتأكيد، أخبر هومليخو الشبكة العالمية للصحافة الإستقصائية (GIJN) أن إثنين من الصحفيين الكونغوليين الشجعان ورئيسيان في التحقيق يمكن أن ُذكر أسماؤهما أخيرا وهم كالب كاباندا وسوسثين كامبيدي من أكتواليتي.

بالإضافة إلى ذلك، يقول: “كان هناك دعاية متبادلة ضخمة. نشرت مجلة السياسة الخارجية مقطع الفيديو الخاص بنا على موقع الالكتروني، وقمنا بوضع رابطهم على وسائل التواصل الإجتماعي الخاصة بنا. إتضح أن كل قصة من قصصنا كانت مكملة لقصة الآخر. وهذا كي لا ننسى أن هذا المشروع بأكمله لم يكن ممكناً لولا تعاون شركائنا المحليين في الكونغو، الذين كانوا أبطال هذه القصة بالفعل لأنهم كانوا يعملون على الأرض، ويعانون من العواقب المحتملة للإبلاغ عن هذه الحقائق في منطقة خطرة “.

يقول هومليخو إن ثقة الجمهور ظهرت للعيان كأحد أكبر مزايا نموذج المشاركة الفعالة.

يقول: “في الأوقات السابقة، كان يجب عليك أن تثق في أحد البوابات الصحفية الرئيسية، مثل صحيفة نيويورك تايمز، وأن تثق في أنه لا توجد أجندات وأن كل شيء كان صحيحا”. لكن الآن، يمكن للقراء أن يعلموا أن أربعة من أصل خمسة بوابات صحفية  قد مررت نفس المعلوماًت وتوصلت إلى إستنتاجات مماثلة. أعتقد أن هذا كان مهما للإعلام في الكونغو الذي كان ضعيفًا ويفتقد للمصداقية بسبب السياسيين. حقيقة أنه يمكنهم أن يقولوا لجمهورهم أن الإعلام الغربي يوافقهم وأن هذه الحقيقة صحيحة – أن هؤلاء الناس مسؤوليين- هي أمر مهم للصحفيين الذين لا يعملون في بيئة صحفية حرة.


روان فيليب هو صحفي حاصل على  العديد من الجوائز وعمل في أكثر من أربع وعشرين دولة. يعمل فيليب حاليا في بوسطن، وكان كبيرالمراسلين ومديرمكتب لندن لصحيفة صنداي تايمز بجنوب إفريقيا لمدة ١٥ عاما.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *