أساليب الأدلة الجنائية التي يستخدمها الصحفيون للكشف عن هجمات قوات الأمن

Print More

English 

متظاهرون يختبئون من الذخيرة الحية في مظاهرة مؤيدة للديمقراطية في السودان.

إنه مشهد شائع على نحو متزايد: متظاهر أو لاجئ راقد على الأرض، بعد فرار حشد من الناس أو بعد أن تبدّد الغاز المسيل للدموع.

والرد الرسمي شائعٌ على النحو نفسه: حكومةٌ أو إدارة شرطة تدّعي أنها لا تتحمل أي مسؤولية عن الإصابات أو الوفيات.

ولكن ما الذي حدث لهؤلاء الناس حقاً وسط هذه الفوضى؟

يتجّه الصحفيون الاستقصائيون على نحو متزايد إلى المصادر الجنائية البصرية المفتوحة لمعرفة الحقائق. إن موجات الاحتجاجات ضد عنف الشرطة والعنصرية، التي أشعلها مقتل جورج فلويد المقيم في ولاية  مينيسوتا في الولايات المتحدة، ألقت الضوء على حاجة الصحفيين في غرف الأخبار في جميع أنحاء العالم لتطوير هذه المهارات المتخصصة. والاحتجاجات قد تكون قد بدأت للتو، حيث يحذر الخبراء من أن التغير المناخي والانهيار الاقتصادي الناجم عن وباء “كوفيد-19” يمكن أن تؤدي إلى صراعات أكثر تواتراً في المستقبل بين الحشود وقوات الأمن. 

إن النهج الجنائي البصري لا يتعلق بوثيقة عن مسدس ينطلق الدخان من فوهته، أو شهادة المبلِّغين عن المخالفات، بل بتجميع قطع من لعبة تركيب بصريّة وزمانيّة، وإذا أُخذت معاً فقد يكون لها وزن الأدلة وقدرتها على التأثير.

هذه الأدلّة الخام لا يمكن أن تكشف عن هجمات متعمّدة من قبل قوات الأمن فحسب، بل يمكنها أيضاً أن تكشف للشرطة أن الإجراءات التي صممت لتكون غير مميتة يمكن أن تكون لها نتائج مميتة.

على سبيل المثال، في يونيو 2020، استخدمت صحيفة نيويورك تايمز علامات الوقت على مقاطع فيديو لإظهار كيف أدى استخدام مقذوفات كرات الفلفل لفرض حظر التجول أثناء الاحتجاجات على مقتل جورج فلويد في لويزفيلي – كنتاكي، أدّى إلى مقتل رجل في منزله.

وقد كشف هذا النهج أيضا عن بعض المجازر.

بعض مقاطع الفيديو الـ 300 المصوّرة بالهواتف المحمولة التي جمعها طاقم (عين أفريقيا) من البي بي سي  وشكّلت صورةً لمذبحة الخرطوم في عام 2019. المصدر: عين أفريقيا

في العام الماضي، توصّل برنامج بي بي سي Africa Eye الى مقاطع حية على فيسبوك لاحتجاج في السودان أثناء حدوثه، وجمعت فيما بعد أدلة على مقتل ما لا يقل عن 61 متظاهراً على يد ميليشيا قوة الدعم السريع، التي استأجرها أعضاء في المجلس العسكري الحاكم في السودان. أعاد الفريق بعناية بناء الأحداث من 300 مقطع فيديو مصوّرة بالهواتف المحمولة – معظمها مقاطع مهتزة صوّرها المتظاهرون أثناء فرارهم.

في أبريل 2020، أراد نيك ووترز، وهو محقق في المصادر المفتوحة مع مجموعة التحقيق غير الربحية Bellingcat، إلى أن يعرف بدقّة المكان الذي توفي فيه المهاجر الباكستاني “محمد غولزار” في تركيا، ولكن لم يكن لديه سوى فيديو مأخوذ من وسائل التواصل الاجتماعي لا يظهر في خلفيته إلا أرض زراعيّة ليس فيها أي علامة فارقة. لذا استخدم اتجاه الأثلام (الخطوط التي تُحفر في الأرض لتُزرع فيها المحاصيل)  تحت جسم الرجل، وأنواع المحاصيل الظاهرة في الخلف، وعثَرَ على الحقل عبر Google Earth. ثم حقق فريقه في الفاصل الزمني  بين أزيز الرصاصة وصوت الفرقعة الناجم عن انفجارها ليعرف مدى قُرب السلاح الذي سُمع صوته في الفيديو. ومع أربعة متعاونين مع وسائل الإعلام، قرر فريق ووترز أنه -وبالرغم من نفي الحكومة – قوات الأمن اليونانية استخدمت طلقات حية ضد اللاجئين بالقرب من حدودها التي من المحتمل أن تكون قد قتلت غولزار، وجرحت ستة آخرين.

“يبدأ الموضوع عموماً بمحاولة الحصول على كل المعلومات البصرية المتوفّرة عن الحادث”، وأوضح ووترز “والاستخدام المنهجي لأي كلمات مفتاحية التي تمكّنك من العثور على المعلومات. ولكن الأمر يتعلق في الغالب بأن تتبنّى عقلية حل المشكلات”.

كانت التحقيقات المفتوحة المصدر في الحوادث العامة العنيفة تعتبر ذات يوم شكلاً من أشكال فحص الحقائق في الصحافة. ففي نهاية المطاف، نادراً ما تدلّ على اسم ضابط الشرطة أو الجندي الذي ضغط على الزناد، ويميلون إلى تلبية معيار “توازن الاحتمالات” للأدلة، بدلاً من الحقائق الثّابتة.

ومع ذلك، فقد زادت دقة الأدوات الجديدة والأساليب الجنائية  – إلى جانب انتشار الفيديو عبر الهاتف المحمول في كل أنحاء العالم – إلى درجة أن هذه التحقيقات بات لها تأثير مباشر.

في عام 2018، تتبع فريق التحقيقات البصرية في صحيفة نيويورك تايمز رصاصة قتلت المسعفة المتطوعة رزان النجار التي كانت تقف وسط حشد كثيف من المتظاهرين الفلسطينيين، ليتبيّن أن من أطلقها هو قنّاص إسرائيلي متمركز على بعد أكثر من 110 أمتار. كانت مهمةَ الفريق أكثر صعوبة لأن الوقت لم يكن مضبوطًا بشكل صحيح على العديد من الهواتف النقالة التي صوّرت هذه اللقطات المهمّة. لكنهم أعادوا معايرة البيانات الوصفية لكل منها بكل دقّة، وكلفوا جهةً بإجراء تحقيق مكاني لموقع الحادث، بمساعدة وكالة أبحاث  Forensic Architecture ومقرها المملكة المتحدة وتعمل على كشف انتهاكات حقوق الإنسان بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني. ثم علمَ فريق النيويورك تايمز من خبير في المقذوفات أنّه من المرجَّح أن تكون رصاصةٌ إسرائيلية قد أخطأت هدفها، وارتدّت عن الأرض وأصابت النجار فوق صدرها.  

وقال مالاكي براون، وهو كبير معدي وحدة التحقيقات البصرية في نيويورك تايمز “سنحاول دائما الوصول الى مستوى لا يدع مجالاً للشك المعقول. نحاول دائما أن نصيب الهدف. على سبيل المثال، ما كان من الممكن لسلسلة تحقيقاتنا في تفجيرات المستشفيات في سوريا العام الماضي أن تكون مؤثرةً لو أننا قلنا: “من المرجّح أن روسيا فعلت ذلك لأن الشهود يقولون ذلك، ولأنهم سمعوا الطائرات الروسية”. كان هنالك أثر أكبر بكثير عندما عملنا على التحقق من لحظة وقوع تلك الهجمات، وأسندناها إلى طيارين معينين. ولكن هناك أوقات لا يمكننا فيها أن نكون الخصم والحكم، ويتوجّب علينا حينها أن نعرض الحقائق ببساطة كما وجدناها”.

وقالت أليكسا كونيغ، الشريكة المؤَسِّسة لـ Human Rights Investigations Lab في جامعة كاليفورنيا – بيركلي، إن الجيل القادم من صحفيي المصادر المفتوحة في الولايات المتحدة تقوده الصحفيات. وتمثل النساء حوالي 90% من الباحثين الطلاب في المختبر – الذي يعمل مع وسائل الإعلام الأشهر في العالم. 

في مارس/آذار، تعاونت صحيفة واشنطن بوست مع باحثين طلاب في المختبر للكشف عن كيفية تعرض الناس للضرب على يد الشرطة في احتفال بإطلاق سراح سجينٍ سياسي في الصحراء الغربية. وأشارت كونيغ “أعتقد أن هذه الأساليب سوف تصبح حاسمة وأساسية في العمل الصحفي في القرن الحادي والعشرين. سيكون هنالك صعوبة متزايدة أمام نزول الصحافيين إلى الميدان وخصوصًا في حالات النزاع”.

يمكن لأي مراسل استخدام أساليب الأدلّة الجنائية

ويؤكد الصحفيون الاستقصائيون البارزون ممن يعملون على المصادر المفتوحة أن جميع الصحفيين، حتى من يفتقرون إلى المهارات التقنيّة، يمكنهم التحقيق في أسباب إلحاق الضرر بالمتظاهرين من خلال الوسائل البصرية الأساسية، وأنه لا ينبغي تخويفهم بالطيف الواسع من الأدوات المتقدّمة المستَخدَمة في هذا المجال. يمكن أن تكفي الأدلة البصرية التي تم جمعها من زوايا قليلة مختلفة.

في عام 2017، كشف نفس فريق NYT، الذي استخدم طائرات بدون طيار ونمذجة ثلاثية الأبعاد لفضح مقتل رزان النجار، كيف قام رجال الأمن للرئيس التركي الزائر رجب طيب أردوغان بضرب المتظاهرين  في واشنطن العاصمة. هذه المرة استخدم الصحفيون فقط لقطات مأخوذة من التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي. وقد بُنيت هذه الأدلة تقريبًا خلال يومين فقط، وتم الحصول على بعض اللقطات الرئيسية من التقارير العادية. هنا ، سأل براون ببساطة أحد الشهود إذا كان لديه فيديو مسجَّل للمشاجرة، وتلقى الملف على رابط Google Drive. ثم قام الفريق بتمحيص المقاطع المختلفة، وراجعوها إطارًا بإطار، من خمس زوايا، وحددوا على وجه التأكيد هوية 24 رجلًا وراء ذلك الهجوم الجماعي.

وقال براون: “يمكن للصحفيين العاديين والتقليديين إنجاز قصص كهذه. الأداة النهائية هي عينك، وأن تنظر إلى الصّور بعناية. يتمحور الكثير من عملنا حول صحافة المصادر المفتوحة والتحليلات السمعية والبصرية الجنائية، لكن عملنا مغلفٌ بطبقةٍ من العمل الصحفي التقليدي:  أن لا تكفّ عن إجراء المكالمات الهاتفيّة وأن تتحدّث إلى الخبراء”.

في مقابلات مع كبار الصحفيين والمحررين، حددت GIJN اثني عشر تقنية واثني عشر أداة أثبتت فعاليتها في التحقيقات الرئيسية الأخيرة التي تعقبت الأضرار التي تسببت بها قوى الأمن.

تقنيات لكشف الحوادث وسط الحشود

 – أولاً، التركيز على اكتشاف المواد – تنزيل وأرشفة أكبر قدر ممكن من الفيديو والصور غير المعالَجة (Raw) – ثم العمل على التحقُّق وتحديد الموقع الجغرافي، وأخيراً، وضع الخط الزمني (تحديد خط الزمن ومزامنته). اجعل بحثك الأولي واسعًا باستخدام كل شيء من Facebook و TikTok إلى كاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة (CCTV) والتسجيلات الصوتية وأرشفة الصفحات من تاريخ البحث الخاص بك (search history). في العادة، ستقودك الإجابة على أسئلة: أين ومتى وكيف سوف تقودك إلى الإجابة على سؤال: من الذي ارتكب الفعل. 

التمزّق في ركبة سروال محمد غولزار مكّن الصحفيين من تعقّبه في مقطع آخر حيث لم يكن أي جزءٍ آخر من جسده مرئياً.

تتبع الأفراد من خلال مقاطع الفيديو باستخدام علامات، مثل الملابس المميزة. أثبتت البقعة الصلعاء لرجل واحد أنها علامة مهمة في تحقيق نيويورك تايمز في ضرب المتظاهرين من قبل تلك القوات الأمنية التركية.

 – زيارة أو الاتصال بالشركات في المنطقة المجاورة للاحتجاجات أو غيرها من الحوادث، وطلب رؤية تسجيلات كاميرات المراقبة أو لقطات الأمن. إذا رفضوا في البداية، أظهر لهم تغطيتك السابقة للحدث، واطلب منهم مرة أخرى. اعرض قصتك الصحفية الأولى على الشهود الذين كانوا مترددين بالكلام في البداية، فالكثيرون يغيرون رأيهم بعد رؤية أدلة على نية مراسل. محامو الدفاع مصدرٌ جيدٌ أيضًا للحصول على تسجيلات الدوائر التلفزيونية المغلقة والكاميرات المثبتة على أجساد رجال الشرطة.

–  نظّم مقاطع الفيديو  بشكل متجاور لتتمكن من المقارنة بينها، وافحص كل إطار على حدة. للتعاون، فكر في تنظيم المواد على منصات تسهل مشاركتها مع الشركاء البعيدين، مثل Google Sheets .

إذا كانت الطوابع الزمنية غير موثوقة، قم بمزامنة مقاطع الفيديو من خلال البحث عن علامات زمنية مرئية في جميع المقاطع  مثل إغلاق باب السيارة، أو تشغيل ضوءٍ ما.

– تذكر الأدوات المألوفة التي تستخدمها كل يوم. إذا كنت بحاجة إلى إظهار أن أحد المتظاهرين أو ضابط الشرطة لا يمكن أن يكون قد مشى من النقطة أ إلى النقطة ب في وقت معين، فقط أدخل العنوانين إلى خرائط Google وسوف يحسب لك تلقائيًا الوقت اللازم لقطع هذه المسافة سيراً على الأقدام، بالإضافة إلى الوقت اللازم لقطعها بالسيارات أو بوسائل النّقل العام. هذه الأساليب لها فائدة إضافية وهي أنها معروفة وموثوقة من قبل الجماهير.

–   التركيز على، وتحديد، الجماعات المسؤولة عن إيقاع الضرر، بدلاً من الأفراد، إلا إذا كان لديك سبب مقنع –والتركيز على الأدلة القوية – للتمكن من تسمية ضابط بعينه وربطه بشكل قاطع بالإصابة التي تسبب بها. وقد يتطلب إلقاء اللوم على فرد من أفراد قوات الأمن يتطلّب المزيد من الأدلة الإضافية، بما في ذلك التعرف على الوجه وحتى مطابقة المقذوفات، وهذا أمرٌ نادر، والتي قد لا يكون ضرورياً لإقامة الحجة على المتسببين بالضرر.

–    استخدم طريقة “التقاطع” لتحديد موضع شخصٍ أو جسمٍ ما بمقارنة موقعه بموقع بعض العلامات المميزة في محيطه، أو لمعرفة مكان الكاميرا. على سبيل المثال، يمكن رسم خط وهمي واحد من الساري وأبراج الكنيسة، ويمكن العثور على نقطة تقاطع مع خط ثانٍ بين الطريق وزاوية المبنى. جوجل إيرث برو يمكّنك من رسم خطوط مستقيمة بين هذه الأجسام على الشاشة.

بمساعدة صور غوغل إيرث ، قامت (بيلينكات) بإصلاح موضع الكاميرا التي صوّرت الصورة العلوية من خلال تتبع خط واحد من خلال مئذنة ودعامة بناء (الخط الأصفر)، وآخر من خلال سقف بعيد ومطعم قريب (الخط الأحمر)، والعثور على المكان الذي تقاطعت فيه، من الأعلى. أثبت هذا التقاطع مكان الحفر التي تركتها قنابل من غارة جوية على سوق في اليمن.

لا تلغِ فيديو تلقائيًا لأنه طوابعه الزمنية لا تتطابق مع خط الزمن الذي وضعته للأحداث. وقد وجد المحققون أن ساعات الهاتف المحمول غالبا ما تكون مضبوطة بشكل غير دقيق، ويمكن إعادة معايرة البيانات الوصفية لمزامَنتها مع ساعةٍ دقيقة.

–   لا تعتمد على روايات شهود العيان عن الأحداث في المكان والزمان عندما تبدأ في محاولة بناء ما حدث، حيث أن ذاكرة الأحداث المؤلمة غالباً ما تكون مليئة بالأخطاء. وجد فريق النيويورك تايمز أن العديد من المسعفين الذين كانوا في ميدان الاحتجاج الذي قُتلت فيه رزان النجار قد أخطأوا في تذكُّر المكان الذي كانوا يقفون فيه، وأن بعضهم كانوا متأكدين من إطلاق رصاصتين في لحظة ما رغم أن رصاصةً واحدةً فقط هي التي أُطلِقت.  

 – تفحّص التقارير الأولية من خلال تقييم الأدلة البصرية أو بالاستعانة بمترجم محترف. فهمت Bellingcat  من التقارير الأولية أن محمد غولزار كان “بالقرب من البوابة” على الحدود، لكنهم لم يجدوا أي دليل على ذلك من عدة مقاطع فيديو. وبعدها تبيّن أن غولزار كان بالقرب فتحة في السياج الحدودي. ربما تم الخلط بين “فتحة” و”بوّابة” في الترجمة الأولية.

تجنب التلاعب باللقطات، إلا إذا كان ذلك ضروريًا لكي يفهم الجمهور – وإذا فعلت ذلك فاشرح للجمهور السبب الذي دفعك للتعديل على اللقطة. ومع ذلك، فإن تسليط الضوء على جسم ما بشكل اصطناعي، مثل السلاح، هو أمر مقبول، عندما يتم تقديمه في سياق الفيديو الأصلي.

إعداد شبكة واسعة

وقال مارك بيركنز، رئيس تحرير BBC Africa Eye، إن قصة البث الحي لمذبحة السودان – التي فازت بجائزة ويبي في مايو 2020  – تضمّنت العديد من العناصر الصحفية مفتوحة المصدر، ولكنها بنيت على ثلاث ركائز:  الكودينغ المحترف، وإعداد التقارير بالطريقة التقليدية، وقبل كل شيء، شجاعة المتظاهرين الذين صوّروا الفيديو.

“الكثير من مقاطع الفيديو لا يمكن الوصول إليها بسهولة، لذلك ما فعله بن ستريك – باحث المصادر  المفتوحة لدينا- هو تطوير سكريبت (شكل من أشكال الترميز\الكودينغ) خاص به، كان خاصًا به حقاً، وكان السكريبت ينسخ كل فيديوهات البث المباشر هذه. كان هناك كلمات في الكود باللغتين العربية والإنجليزية. لذا في اليوم الذي حدثت فيه الاحتجاجات، كانت العملية جاهزةً سلفًا حتى يتمكن من [أخذ]  كل فيديوهات البث المباشر أثناء حدوثها. في كثير من الأحيان، تختفي هذه الفيديوهات بعد انتهاء البث المباشر. لقد أمضى شهوراً في تدريب يوتيوب على العثور على مقاطع فيديو لن نجدها أنت وأنا ببحث بسيط، وكان هذا جهداً تقنياً رائعاً”.

وقال بيركنز إن الفريق أمضى معظم الوقت خلال التحقيق في تحديد الموقع الجغرافي لمقاطع الفيديو الـ 300، باستخدام أدوات مثل صور الأقمار الصناعية وخرائط جوجل. ثم رتبوا الأحداث زمنيًا باستخدام الصوت، وظِلال الناس والمباني، وعلامات أخرى.

عمل ستريك مع منتج سوداني وصحفيين سودانيين، بالإضافة إلى فريقه للمصادر المفتوحة، والمترجمين العرب، والمتعاونين الخارجيين.

“بطريقة ما، هذا هو عكس الطريقة التي كنا نعمل بها نحن الصحفيين، حيث كنت تقول: “حسناً، لدي هذا الفيديو الرائع، سأتمسك به، ولن أخبر أحداً، وأركض به إلى محرري”، قال بيركنز. “هذه ليست الطريقة التي يعمل بها المصدر المفتوح. فالأمر تحتاج إلى الكثير من الناس والكثير من التعاون لتجميع القطع الناقصة.

وقد قام بيرترام هيل، زميل بيركنز، مؤخراً بوضع ورسم خريطة قائمة شاملة يمكن الوصول إليها تضمّ أكثر من 200 مصدر مفتوح المصدر وأدوات جنائية، العديد منها مختص بقواعد البيانات الإفريقية.

وقال بيركنز: “إن لوحة التحكم (داش بورد) هذه خاصة بأفريقيا، رغم أنني أراها عالمية صراحةً. هذا شيء يسعدني أن تشاركه GIJN  وإذا كان صحفيٍّ واحد في كل غرفة أخبار أن يتعلم القليل عن هذه الأدوات، فإن ذلك سيحدث فرقاً حقيقياً في القارة [الأفريقية]”.

يمكن العثور على هذا المورد مقسماً إلى 24 فئة على هذا الرابط.

كانت هناك خيوط مماثلة من قصة السودان في تحقيق أجرته صحيفة أولتيماس نوتيسياس الفنزويلية، والذي حلل لقطات فيديو  للكشف عن أن مقتل طالبين في مسيرة عام 2014 في كاراكاس كان مرتبطاً بذخيرة حيّة أطلقها أربعة من أعضاء أجهزة الاستخبارات الحكومية.

تحديد مكان وزمان مقاطع الفيديو

قال نيك ووترز من Bellingcat إن التعاون هو المفتاح الذي حلّ قضية غولزار – كما هو الحال في العديد من التحقيقات المفتوحة المصدر – حيث تعاونوا مع منظمة Lighthouse Reports الهولندية غير الربحية  الذين قاموا بتنسيق المشروع، وقام Forensic Architecture بتحليل الفيديو والتحقيق الخاص، وقامت كل من دير شبيغل وسكاي نيوز بالتقارير الميدانية في تركيا واليونان.

اضطر فريق ووترز إلى تحديد مكان وزمان كل مقطع من المقاطع التي أظهرت جميع اللاجئين الستة الذين أصيبوا بالقرب من الحدود اليونانية في آذار/مارس.

وقال إن  Bellingcat تستخدم الآن كلمة “اكتشاف” لمرحلة جمع الفيديو في تحقيقاتها، حيث يتم استخدام المواد أحيانًا كأدلة قانونية، مثل المحاكمة على إسقاط رحلة الخطوط الجوية الماليزية MH17.

“ما تقوم به وأنت تحدد الموقع الجغرافي هو أخذ كلّ معلومة داخل تلك الصورة والعثور على الأماكن التي تكون متسقة فيها [مع البيانات الأخرى]،” قال ووترز. “كنّا قد توصّلنا للمنطقة العامّة، وكنا نرى خط السياج [الحدود] في الصور، أي أنه كان لدينا المربع الذي كان [غولزار] فيه. كان يمكننا أن نرى الأثلام المواجهة للسياج، الذي يضيق احتماليات الحقول التي يمكن أن يكون فيها. كان هنالك علامتان في الخلفية: تلّة وخط شجرة، مما حصر الاحتمالات إلى حقلين فيهما أثلام عمودية. وفي واحد منهما فقط كان بإمكاننا رؤية حقلين يتقاطعان في الخلفية، وهذا هو المكان الذي كان فيه – الزاوية الجنوبية الغربية من الحقل الجنوبي”.

بعد أن توصّلنا إلى المكان – وقدّمناه بصريًا بصور الأقمار الصناعية – صار على الفريق أن يعمل لتحديد أوقات حصول الأحداث. وقال ووترز إن نمط إطلاق النار – رشقات نارية أوتوماتيكية، وإطلاق مزدوج، وضربات رصاص فردية – كل هذه الأمور أثبت أهميتها في الترتيب الزماني للأحداث.

وقال “إن هذه الطلقات جاءت من بندقية تتفق مع مواصفات بندقية من طراز 16M أو بندقية هجومية أخرى من عيار 5.56 ملم – وليس من مسدس أو مسدس دوّار” . “أطلقت القوات اليونانية طلقات حية باتجاه تركيا في ذلك اليوم. ولم نرَ أيّ قوّات تركيّة قريبة من المكان في أي مقطع فيديو أو في أي صورة ثابتة”.

أدوات لتفريغ  الحوادث  الاحتجاجية

  – أدوات تحرير الفيديو المستندة إلى المخطط الزمني، مثل  Adobe Premiere Pro أو  Avid Media Composer. استخدمها لتنظيم المواد الخاصة بك على شاشة واحدة، وأدوات الصوت مثل Adobe Audition  لمزامنة علامات الصوت. أدوات المصدر المفتوح  مثل  WatchFrameByFrame    يمكن أن  تساعد في  التحليل.

 –  وظائف البحث المتقدمة على جوجل وتويتر لتتبع الفيديو. ويعتمد محققو المصادر المفتوحة البارزون على هذه الأدوات أكثر من الأدوات المخصصة، ويشيرون إلى أنها أقوى بكثير مما يدركه العديد من الصحفيين. ابحث عن نطاقات أخرى على Google باستخدام عبارات مثل “site:youtube.com” للحصول على نتائج أكثر دقة.

–  صور الأقمار الصناعية. يسمح لك TerraServer بتصفّح الصّور الموجودة دون مقابل، بينما يقدّر الكثير من الصحفيين Maxar DigitalGlobe للدقة العالية  لصوره. كما لعبت Planet Labsدوراً محورياً في العديد من التحقيقات.

ساعدت صورة الأقمار الصناعية في تصحيح موقع اللاجئين تحت النيران بالقرب من الحدود التركية مع اليونان. الصورة من: بلانيت لاب و بلينكات

–    جوجل إيرث. “جوجل إيرث مدهش، وهو أفضل أداة نستخدمها لتحديد الموقع الجغرافي” بحسب ووترز. “كما أنه يوفر صورًا تاريخية  منا الأقمار الصناعية، وترخيصه حرٌّ إلى حد بعيد. كما تتوفر فيه أداة تسمى  Landscape وهذه أداة رائعة. لإظهار أن ضباط الجيش السوري كانوا هناك، يمكننا الذهاب إلى حيث كانوا يقفون، ويمكنك أن ترى من زاويتهم. كان الأمر بديهيًا تماماً”.

–    Suncalc. هذه الأداة تسمح لك أن تعرف موقع الشمس في السماء في وقت معين ومكان معين. وهذا يمكّن المحققين من استخدام الظلال لتحديد الوقت الذي وقع فيه حدث مصور.

ساعدت الظلال التي ألقى بها هؤلاء الجنود بيلينكات  على معرفة أن كبار الجنرالات السوريين كانوا يراقبون بلدة قبل وقت قصير من تعرضها للهجوم بالأسلحة الكيميائية. المصدر: بيلينكات. 

  –   حاول تطوير برنامجك الخاص للبحث في YouTube حسب التاريخ بدقة، أو التعاون مع مؤسسات لديها برامجها الداخلية الخاصّة مثل Bellingcat. وجدَ المحققون أن وظائف البحث الداخلي في YouTube ضعيفة، وحتى وظائف البحث المتقدمة الجيدة مثل مونتاج ليست كافية دائمًا.

–   أدوات الأرشفة، مثل  Hunch.ly. هذه الأداة تلتقط وتحفظون صفحات الويب تلقائيًا — مما يلغي الحاجة إلى حفظ لقطات الشاشة وعناوين URL — كما  يمكنها أيضًا المساعدة في إثبات أن الأدلة التي تستخدمها في قصتك لم تتغيّر. وقال ووترز: “إنه ليس حلاً مضموناً بنسبة 100%، لكنه أفضل ما لدينا”.

–     أدوات توضيح الصور المعتمدة على الذكاء الاصطناعي مثل توباز. وفي حين أن هذه التكنولوجيا يمكن أن توضح الصور غير الواضحة بشكل كبير، فمن المهم أن يبلغ الصحفيون القراء بأن الصورة الجديدة هي من إنتاج هذه الأداة.

–   الرسوم الطيفية. ويمكن استخدام هذه التمثيلات البصرية للترددات، على سبيل المثال، لتقدير المسافة بين الضحية ومطلق النار.

هذا الرسم الطيفي يظهر الفجوة بين “أزيز” الرصاصة باللون الأحمر، و “الفرقعة” من البندقية (باللون الأصفر) المستخدمة بالقرب من الحدود اليونانية. الصورة من Beck Audio Forensics

     Invid أداة رئيسية للتحقق من مواد الفيديو، من خلال سحب الإطارات الرئيسية من الفيديو على منصات مثل Facebook و YouTube، حتى تتمكن من البحث عن صور غلافها (cover images) في الماضي والعثور على النسخة الأصلية.

–   يمكن لتطبيقات البحث عن الأشخاص مثل Pipl  و   Spokeo   التعرف على الشهود والأبطال والتحقق من هويتهم في كل بلد تقريبًا. إن معرفة عنوان البريد الإلكتروني للشخص يجعل هذه التطبيقات قوية بشكل خاص في العثور على جهات اتصال بديلة وتفاصيل أساسيّة.

 –  Tin Eye  أداة عكسية للبحث عن الصور وبحث الصور على جوجل، يمكن أن تساعدك على العثور على صور سابقة موجودة على الإنترنت، بما في ذلك الصور غير المقصوصة التي يظهر في خلفيتها المزيد من التفاصيل.

وقال ووترز إن دعوة شخص جديد إلى المادة لمراجعتها في وقت متأخر من العمل عليها – “عيون جديدة\منظور جديد” – يمكن أن تكشف عن تفاصيل لم تنتبهوا إليها سابقاً. بالنسبة لقصة صحيفة نيويورك تايمز حول إطلاق النار من مسافة قريبة على متظاهر من هونج كونج  في 1 أكتوبر 2019، دُعي ووترز للتحقق من الفيديو الذي تم تحليله مسبقًا. ووجد أن فريق الإبلاغ الرئيسي قد أنجز القصة بالفعل، لكنه تمكن من الإشارة إلى تفصيلة صغيرة في المشهد: أحد المتظاهرين كان يحمل مطرقة في المناوشات مع الشرطة.

أهمية التنظيم

في حين أن الصحفيين لا يحتاجون إلى أن يكونوا خبراء في التكنولوجيا لهذا العمل، إلا أنهم بحاجة إلى تنظيم موادهم البصرية.

في 1 يونيو 2020، أطلق رجال الشرطة النار على مالك المطعم الأمريكي ديفيد ماكاتي ومات على يد الشرطة التي فرضت حظر التجول الاحتجاجي في لويزفل، بعد أن احتمى زبائنه داخل منزله.

للتحقيق في ما حدث، فتح مالاشي براون الصحفي لدى نيويورك تايمز برنامج أدوبي  وقسم شاشة كومبيوتره لعرض أربعة مقاطع فيديو.

زامنَ مالاكي براون اللقطات المأخوذة من كاميرات المراقبة (يسار) مع لقطات البث المباشر لفيسبوك لفهم ردّة فعل الأشخاص المحتمين في منزل ديفيد ماكاتي حيال طلقات الفلفل التي أُطلقت على الباب الأمامي.

على اليسار، كان لديه لقطات صامتة من كاميرات المراقبة من ثلاث زوايا، قدمتها الشرطة المحلية، وقارنها بالبث المباشر على فيسبوك مع الصوت، من زاوية مختلفة، على اليمين. قرر أنه لا يستطيع استخدام الطوابع الزمنية للفيديو، لأنها بدت غير موثوقة. لذلك قام فريق براون بمزامنة مقاطع الفيديو باستخدام ثلاث علامات شوهدت في كل منها: عندما تم تشغيل أضواء السيارات، وعندما أغلق الشخص الذي يصوّر البث المباشر باب شاحنته، وعندما قام رجلٌ  شوهد وهو يمشي في الفيديو بوضع رجله اليمنى.

“كانت لدينا الإطارات الأربعة كلها مصفوفة إلى جوار بعضها، وكنا نسمع من البث المباشر كل حركة نراها في فيديو كاميرات المراقبة، ونرى من أطلق النار أولاً، وما الذي  أدى إلى هذا الموت المأساوي” قال براون. وأضاف: “يمكننا أن نرى ما إذا كانت الشرطة قد انتهكت مبادئها التوجيهية الخاصة بشأن كيفية تفريق الحشود غير العنيفة، وهو ما خلصنا إليه بشأن ما حدث”.

كان عناصر الشرطة يعرفون أنهم كانوا يستخدمون مقذوفات كرات الفلفل غير القاتلة، ولكن تبيّن من إعادة بناء الفيديو من مكان الحادث أن صاحب المطعم السيد مكاتي احتاج للاعتماد على إشارات بصرية الأخرى ليفهم ما يهدده: رأى زجاجة تنفجر على طاولة، وشيئًا ضرب بابه الأمامي بالقرب من رأس ابنة أخيه، ورأى رجالاً يرتدون زيًا داكناً يقتربون ويحملون معهم الأسلحة المدمجة. وسط حيرته، أطلق ماكاتي النار من مسدسه، ثم قتلته الشرطة بالذخيرة الحية.

ولكن سريعًا ما يزول الاهتمام بالعنف غير المميت ضد المتظاهرين  فوسائل الإعلام اليوم تركّز أكثر على أعداد الجثث.

وقد أظهر المخرج الفرنسي ديفيد دوفرين  كيف يمكن أن يؤدي تركيز التقارير المنهجية إلى فضح القمع المنهجي للشرطة، من خلال مشروعه  للتحقيق في العنف ضد متظاهري السترات الصفراء في فرنسا. وكشف دوفرين  عن أكثر من 800 حالة عنف أو مخالفات ارتكبتها الشرطة تجاه المتظاهرين  – بما في ذلك 24 حالة من حالات العمى و 279 إصابة في الرأس – في تحقيق حاز على الجائزة  الكبرى للصحافة في فرنسا في عام 2019.

قرر دوفرين أن يوسّع شبكته، بدلاً من أن يعمّقها، في تقييم العديد من الإصابات في العديد من الاحتجاجات، كل الأدلة التي تم التحقق منها: كل صورة أو صورة أشعة أو فيديو، حصل عليها كلها من الإنترنت. ووجد أن أداة  metapicz   فعالة في التحقق من البيانات الوصفية لهذه المواد. حافظ دوفرين  على تحقيقاته،وبحلول منتصف يونيو/حزيران 2020 سجل ما مجموعه 950 حالة من أعمال العنف التي قامت بها الشرطة ضد المتظاهرين، بما في ذلك 340 إصابة في الرأس.

يمكن أن يكون العمل مفتوح المصدر مبهجًا

بالنسبة للمحققين مثل ووترز، هناك شعور مميز بالإثارة عند تقديم الأدلة الخام للجمهور، واختيار طريقة تقديم يمكن للناس فهمها بسهولة تشكّل تحديًا إبداعيًا.

وذهبت Bellingcat  إلى حد تطبيق معايير مختلفة للنتائج التي توصلت إليها في نفس القصة بشأن إطلاق النار على اللاجئين بالقرب من الحدود اليونانية، اعتماداً على وزن الأدلة لكل حادث.

وقال ووترز ” فى ميزان الاحتمالات، يمكننا القول أنه من المحتمل أن يكون جولزار قد أصيب برصاص قوات الأمن اليونانية ” . “ومع ذلك، فيما يتعلق بحادث وقع في الساعة 10:57 صباحاً، يمكننا القول إنه لا يوجد شك منطقي بأن القوات اليونانية أطلقت النار على شخص [مختلف] وأصابته بجروح، ونطلق عليه اسم “الضحيّة رقم أربعة”.

ورغم أننا تمكننا من إيجاد الحقل من خلال تجميع قطعٍ  كقطع لعبة التركيب، إلا أنه ما زال من الممكن للصحفيين أن يعيشوا لحظات تدفعهم لأن يهتفوا: وجدتها وجدتها!  

قال براون “يمكن للأمر أن يعطينا إحساساً باندفاع الأدرينالين” وفي إشارة إلى تقرير فريقه عن تفجير مستشفى سوري، أضاف: “أعتقد أن أفضل ما توصلنا إليه- وكان هذا بالنسبة لاثنين من أعضاء فريقنا – أننا سمعنا طياراً روسياً يقرأ إحداثيات مستشفى كنا نحقق فيه. أحد مصادرنا كان لديه تسجيل لصوت الطيارين الروس، وبحثنا أكثر، وشخصٌ ما كان قد أنشأ نظاماً مشابهًا تماماً لماسح الشرطة. ثم قصف الطيّار تلك الإحداثيات الدقيقة.

“وهذا هو ما حلَّ القضية”


روان فيليب صحفيٌّ عاملٌ مع الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية. كان المراسل الرئيسي لصحيفة Sunday Times الجنوب إفريقية. عمل كمراسل أجنبيّ وتناول الأخبار والسياسة والفساد والصراعات في أكثر من عشرين بلدًا. 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *