كيف تكتب مقدمة جاذبة للقارئ

Print More

English 

مقال: بول برادشو  ترجمة: جهاد الشبيني

لا شك أن البدايات محيرة لأي كاتب وإن كانت أبسط لصحفيي الأخبار، الذين لا يتعين عليهم سوى أن يبدأوا بالحدث “الجديد” في القصة وأن يتأكدوا من وجود فعل في الجملة. على سبيل المثال: قال شخصٌ ما شيئًا ما، كشف تقريرٌ ما عن شيء، تبحثُ السلطات عن شخص ما، تحذيرٌ بشأن أمر معين، خطةٌ للقيام بشيء ما، وهكذا.

أما في القصص الطويلة والتقارير، يكونُ المدخل مستترًا بدرجة أكبر. ورغم وجود فرصة للكشف عن الجديد في القصة من البداية، فإن ذلك يشكل خطرًا على إزالة عنصر التشويق من القصة وربما يؤدي بالقارئ إلى تركها قبل أن يحصل على الصورة كاملة.

وعليه، يستعيض الصحفيون عن ذلك بعدد من الآليات التي من شأنها أن تُبقي القارئ منجذبًا لقراءة الموضوعات الأطول، مع وعد ضمني مهم بأن قراءة الموضوع تستحق العناء.

ومن ثم، قمتُ بتجميع سبعة أنواع من المداخل المُستخدمة في الموضوعات الطويلة والتقارير لأولئك الذين يواجهون صعوبة في الإتيان بطريقة لبدء قصة أطول أو لمن يشعرون بوجود إمكانية لتحسين المدخل الذين استقروا عليه. وقد أوردتُ أيضًا بعض الأمور الواجب أخذها في الاعتبار، إلى جانب عدد من الأمثلة.

– البدايات: اختر شخصًا تبدأ من عنده

أحد الآليات الأكثر شيوعًا في التقارير المطولة هو أن تبدأ موضوعك من عند شخص. بطبيعة الحال، يكون ذلك الشخص هو مدخلك إلى القضية الأكبر أو الموضوع الذي تتطرق إليه. بعد بضع فقرات، “تنجح” في “الكشف” عن الدافع وراء حديثك الطويل عن ذلك الشخص.

إليك بعض الأمثلة:

الجارديان / أميليا جنتلمان

“لا ينبغي أن يموتَ أحدٌ وحيدًا مُفلسًا”.. عن ضحايا الجزاءات البريطانية المشددة

“لقد علمنا أن ‘ديفيد كلابسون’ كان يبحث بحثًا دؤوبًا عن وظيفة، قبل وفاته، من كومة السير الذاتية المطبوعة التي عُثر عليها على بعد أمتار قليلة من جثته. فضلًا عن أنه قبل وفاته ببضعة أيام، وفي آخر مرة تحدث فيها مع أخته، أخبرها أنه كان بانتظار رد على طلب وظيفة كان قد تقدم بها إلى سلسلة محلات Lidl”.

الكشف (الفقرة الرابعة): “كانت ظروف وفاة ‘كلابسون’ موضع بحث دقيق من قبل جماعات عديدة تقوم بحملات ذاعية إلى إصلاحات نظام الجزاءات المشددة بدرجة متزايدة (أو الصارمة، حسب وجهة نظرك)…”.

شورتهاند سوشيال / جوني جيكوبسن

القضية الكبرى: يد المساعدة من الشوارع

“نويل كولونين، 50 عامًا، ولد ونشأ في برمنجهام.

قبل أن أشتغل على القضية الكبرى، كنتُ أشتغل على القنوات وكنت جنديًّا في الجيش”.

الكشف (الفقرة الثامنة، رغم أنها فقرات قصيرة!): “بالنسبة إلى نويل، وإلى مئات الأشخاص الذين على شاكلته في البلاد، تعتبر القضية الكبرى شريان حياة“.

IQ4News / ياميسيا أكينبوبول، بول برادشو، وأوجيتشي إكينياو

تتبع المال

“الوقت هو يناير 2014.

وسط مجموعة تتكون من 30 فردًا تقريبًا، من بينهم أشخاص في عمر الثانية عشرة، أتى كل من ‘إيبوكا أوجبوهي’ و’جويل إيزي’ من لاجوس. كان الجميع على وشك الصعود إلى متن قارب يخرج من ميناء ‘كالابار’ البحري الواقع في جنوب شرق نيجيريا، متجهين إلى الكاميرون المجاورة لها. كان معهم مُدربيّن متخصصين في كرة القدم ـــ واحدة منهما يعرفها الفتيان باسم المدربة ‘إيما’ ـــ، وممرضة، وعامل تنظيف جاف، والسيد إيريك فريد تومي وكيل كرة قدم”.

في هذا المثال، لا يأتي الكشف إلَّا في الفصل الثاني “الإتجار في اللاعبين” الذي يبدأ بـ:

“وفقًا لدراسة صادرة عام 2013 عن مؤسسة ‘فوت سوليدير’ الخيرية الكائنة في باريس، يسافر ما يقرب من 15 ألف شاب إلى أوروبا وغيرها من الدول سنويًّا عن طريق غرب أفريقيا”.

يأتي ذلك لأن القصة التي تحكي تجربة الفتيان مُقنعة بدرجة كافية لأن تحمل القارئ طوال هذه المدة الزمنية دون أي إشارة إلى العالم الأوسع. بيد أن أي مدخل آخر كان لينبثق عن قصتهم ويعود إليها مجددًا، كأنه آلية تجعلنا نقرأ الخلفية المحملة بالحقائق بينما ننتظر اكتشاف قدر الفتيان والوكيل. 

فايننشال تايمز / جيمس كينج، ليلى هادو، ومايكل بييل

كيف وجدت الصين طريقها إلى داخل كمبوديا باستخدام الرشوة

إن اسم ‘بيج برزر فو’ لا يُستهان به في المجتمع التجاري الصيني بكمبوديا. ضابط سابق في جيش التحرير الشعبي الصيني؛ يساعده صوته الرخيم الاستعراضي على زيادة الهيبة التي يضفيها عليه اسمه المستعار ‘الأخ الكبير’. ومع ذلك، قوة جسده على التحمل تتضاءل إذا ما قورنت بمعارفه السياسية. ولا يتمتع سوى قليل ـــ إن وجدوا ـــ من المستثمرين الأجانب في هذا البلد الجنوب شرق أسيوي، الذي يتمتع بأهمية إستراتيجية على الرغم من صغره، بنفس هذا النفوذ الذي يتمتع به ‘فو شينهو’.

– اِبدأ بفعل

عندما تبدأ القصة بشخص ما يؤدي فعلًا من نوع ما، فإن ذلك يجعل القصة تتحرك بسرعة لافتة. ويمكن لهذا الفعل أن يكون حديثًا (معك، أو مع زميل أو صديق)؛ ويمكن أن يكون عملية تذكر، طهو، أو تأدية عمل من نوع ما وله صلة بوظيفتهم.

أحد الأمثلة الجيدة على ذلك هو المحامي الذي يقبل القضايا التي لا يريدها أحد، والفعل هنا القيادة:

“يغادر ‘توم جايلز’ منزله في ‘آبينجدون’، ويودع زوجته وأبناءه الثلاثة، مرتين أو ثلاث مرات في الشهر، ويعبر ‘أوكسفورد شاير’ بسيارته متجهًا نحو الشمال، وتحديدًا مركز احتجاز المهاجرين ‘كامبسفيلد هاوس’.”

ونلاحظ هنا أن بناء الجملة استنادًا إلى فعل القيادة يسمح أيضًا بخلق المشهد: 

هذا هو معقل حزب المحافظين: حقول خصبة، قرى مهندمة، وسيارات دفع رباعي. يقع كامبسفيلد في نهاية حارة ريفية طويلة في مقابلة طائرات تدريب وطائرات خاصة تابعة لمطار أوكسفورد. وعلى خريطة الدوائر الانتخابية الموجودة عند نهاية اللسان البري للحزب، تتدفق على أحد الجانبين دائرة ‘ويتني’ الانتخابية الخاصة بديفيد كاميرون، وعلى الجانب الآخر تتدفق إقطاعية ‘هينلي’ التابعة لبوريس جونسون.”

– اِبدأ بمكان

وعلى الرغم من أن الأشخاص يكونون البادئ الفعلي للقصة ــ إذا استخدمنا هذه الآلية ــ، فإن المكان يلعب دورًا هامًا. 

بي بي سي / رستام قبيل

في انتظار البحر

يعيش الصياد خوجاباي في صحراء.

وكان جميع سكان قريته تقريبًا يقتاتون من العمل في مهنة الصيد، بيد أن الأسماك ماتت في السبعينيات وأخذ البحر يجف.

وعلى مدار الأربعين عامًا الماضية، بدأ نحو 60 ألف كيلو متر مربع مياه يتبخر تدريجيًّا في الهواء، في مناطق يصل عمقها إلى 40 مترًا.

وبعد أن كان بحر ‘آرال’، الواقع في وسط آسيا، أكبر رابع بحيرة في العالم، بعد بحر “قزوين” والبحيرات العظمى وبحيرة فيكتوريا، لم يعد يتبقى منه الآن سوى 10% تقريبًا“.

لاحظ أن هذه الآلية ناجحة لأن المكان والتغيرات التي يشهدها هم أساس القصة، وأنهم في ذواتهم أبطالٌ من نوع ما. 

تمهل، ما السبب؟ / تيم إربان

من محمد إلى داعش.. القصة الكاملة للعراق

في صباح السبت الموافق الثاني من أغسطس، ركبت سيارة أجرة في العاصمة الإقليمية لكردستان العراق ‘إربيل’، وطلبت من السائق أن يأخذني إلى مخيم ‘خزر’ للاجئين.

كان الأمرُ مخيفًا نوعًا ما.

وكان الجزء ‘المخيف’ هو توابع حقيقة أن مخيم ‘خزر’ متواجد خارج حدود المنطقة الكردية شبه المستقلة، التي تعد أحد الأماكن القليلة المُؤمَنة في البلد“.

ومن جديد، نجد أنفسنا بحاجة إلى شخصية رئيسية (المُراسِل، والسائق متواجد أيضًا)، إلَّا أن المكان هو ما يبقى في ذاكرتنا، لأنه مصدر الخوف والخطر في هذه الافتتاحية، وهو ما يُقدم لنا بدوره مشكلة آنية: هل ستبقى الشخصية الرئيسية آمنة؟

100 مراسل / خديجة شريف

تبادل الأسرار: وصفة “كوكا كولا” الخفية للتهرب من الضرائب

كان باب الفندق خطًا فاصلًا؛ إذ بينما كان الداخل حُلمًا قادمًا من العالم الأول بملابس رسمية غير مريحة وأصوات خفيضة وهواء بارد عليل، كان الخارج دافئًا ومفعمًا بالألوان وماكينات بيع الملابس الداخلية والفول السوداني ونظارات الشمس المنتشرة بطول أرصفة المشاة المتشققة.. جلست فوق كتف والدي وأمسكت بأذنيه واستغرقتُ في صورة ‘لوساكا’ الملتقطة في نهاية الثمانينيات؛ كانت زامبيا تعيش تحت وطأة أعمال الشغب الناجمة عن الجوع، الناجم بدوره عن الانخفاض الشديد في الميزانية العامة، كان الأمرُ أشبه بتفاعل كيميائي امتد إلى أغلب الدول الأفريقية خلال مرحلة عُرِفت بـ’العقد الضائع’. كانت الدول تتساقط واحدة تلو الأخرى كقطع لعبة الدومينو الخاضعة للقواعد التي تتوافق مع آراء واشنطن. كان والدي عضو مجلس إدارة بأحد بنوك التنمية الخليجية، وكان يساعد ـــ أو يتوهم أنه يساعد ـــ في جهودٍ تهدف إلى الحد من الفقر في مختلف البلدان الأفريقية. وكانت أبواب فندق ‘لوساكا’ ـــ حيث مكثنا ـــ، التي تفصل بين الداخل والخارج، رمزية بقدر ما كانت حقيقية، فكانت مصنوعة من النقود والأعراق والطبقات الاجتماعية، بيد أن الداخل والخارج كانا يحملان شيئًا مشتركًا وهو الكوكاكولا؛ تلك التي تخرج من ماكينات البيع على عربات صغيرة أو التي سُكِبت بطابع من الأناقة في مطاعم فاخرة“.

تؤدي هذه الكلمات الافتتاحية المتمثلة في “كان بابا الفندق خطًا فاصلًا” أكثر من مهمة، إذ إنها تبين المكان والمشكلة. خطًا فاصلًا بين ماذا؟ 

تُعد هذه الافتتاحية مثالًا جيدًا أيضًا على استخدام المكان باعتباره كناية، إذ غالبًا ما تُستخدم عندما تكون القصة دائرة حول الانقسامات الاجتماعية المُنعكسة على المكان، أو عند إظهار تعقد أحد الأنظمة مُتمثلًا في طرازها المعماري (حتى أنك ربما تقرأها موصوفة كشبيه لطباعة أيشر).

– اِبدأ بتفصيلة

إذا كانت قصتك تتضمن تفصيلة لافتة أو مثيرة للفضول، فإن ذلك من شأنه أن يقدم لك نقطة انطلاق. وفيما يلي مثالٌ من قصة تحمل عنوان: “الأطفال والمشردون المختبئون، والنساء اللاتي عانين من العنف المنزلي.. قصصٌ من داخل أحد بنوك الطعام في مانشيستر عام 2018”: 

“فوق أحد أرفف مخزن البنك المركزي للطعام في مانشيستر، يوجد زوج أحذية وحفاضات مولود جديد. 

كانت حافظة تخزين الطعام جيدة التنظيم، ومجهزة تجهيزًا جيدًا بجميع أنواع المؤونة التي يحتاج إليها المنزل”. 

ويمكن لهذا أن يستخدم كتعبير بديل أو جزئي، تستعيض فيه بالجزء عن الكل، أو حتى استعارة. على سبيل المثال: يمكنك الإشارة إلى اللعبة المعقدة ككناية عن النظام الذي تحاول التحقيق فيه. 

لكنك إذا اتبعت هذه الآلية، فإنك تعد القارئ وعدًا ضمنيًّا بأن معنى هذه التفصيلة سيتضح عند نقطة ما. على سبيل المثال، في الموضوع السابق، كان السطر الذي يلي الجملة الافتتاحية: “إنها ليست شهادة على كرم سكان مانشيستر العاديين فحسب، بل على زيادة الطلب على المساعدة الطارئة أيضًا“. وبالنظر إلى أن فضول القارئ يتم إرضاؤه بسرعة، فإنك إذا تركت المجال مفتوحًا لمدة طويلة، سيُصاب الفارئ بالإحباط و/ أو سيُشكك فيما إذا كانت لديك وجهة نظر جعلتك تطرح تلك التفصيلة من الأساس.

وتعد “الدب المحشو للطفل” الخاصة بتغطية الحروب هي النسخة النمطية من هذا الأمر، وهي تتعرض إلى سخرية كبيرة في المسلسل الكوميدي “دروب ذا ديد دونكي” الواقعة أحداثه في غرفة الأخبار 

– اِبدأ بسؤال

حينما نبدأ الموضوعات الطويلة بشخص أو مكان أو فعل، غالبًا ما يثير ذلك تساؤلًا ضمنيًّا داخل القارئ مفاده: “ما أهمية هذا الشخص أو المكان أو المشهد؟”، بيد أنها أحيانًا ما تثير تساؤلًا واضحًا. 

على سبيل المثال، في مقال لـ”ديفيد كوكس” بعنوان “بعد تحدي دلو الثلج وتجميع 115 مليون دولار لمواجهة مرض التصلب الضموري، فيم أنفقوهم؟“، كانت الافتتاحية كالتالي: 

بعد أن ساعد تحدٍ واسع الانتشار في جمع مبالغ طائلة للمساعدة في مواجهة مرض معروف على نطاق ضيق، غرقت المؤسسة الخيرية في نقود التبرعات. ومع ظهور أولى تفاصيل الإنفاق، يطرح ‘ديفيد كوكس’ تساؤلًا عما سيحدث لاحقًا وما تعنيه هذه التبرعات للمرضى“. 

كانت هذه هي افتتاحية المقال التي شرحت المشكلة والشخصية التي تطارد البحث (لأكون محددًا: اللغز). 

وكما نلاحظ، كانت الفقرة الأولى من المقال مناسبة. ومن ثم، تم اللجوء إلى آليات أخرى لتناول الشخصية والمكان والمشكلة:

في المقر الرئيسي لمؤسسة مرض التصلب الضموري الكائن في واشنطن العاصمة، تتذكر ‘كاري مونك’ بوضوح المكالمة الهاتفية التي نبهتها إلى تحدي دلو الثلج، إذ تقول مونك، كبيرة مسؤولي الاتصالات بالمؤسسة: ‘كان أول أسبوع في أغسطس، وكنتُ في اجتماع خارج الموقع. اتصل بي مسؤول مركز المؤسسة في ‘ماساتشوستس’ وأخبرني: عليكم جميعًا الانتباه إلى أن شيئًا كبيرًا يحدث. وعليه، لم نلبث أن تحققنا على نحو السرعة من الأرقام المخصصة لجمع التبرعات، ومن اللاشيء وجدنا زيادة وصلت إلى 50 ألف دولار عما كنا عليه العام السابق“.

– البدء بمشكلة

وهو يشبه المدخل الذي يبدأ بسؤال، باستثناء أنه يعرض المشكلة بشكل ضمني بدلًا من طرحه سؤالًا واضحًا.

بروبوبليكا / لينا جروجر

مُثبِّت السرعة

تُعتبر الرحلات البحرية بمثابة رحلة أحلام لأكثر من 22 مليون مسافر سنويًّا، ذلك أنها رحلة شاملة المتعة والرفاهية، فضلًا عن أنها ــ ببساطة ـــ فرصة للاسترخاء. 

بيد أن الواقع الفعلي لمئات الأشخاص بعيدٌ عن هذا الحلم، إذ تعرض ما يزيد عن 1700 شخص من مسافرين وأفراد طاقم إلى وعكات ناجمة عن أمراض معوية على شاكلة “نوروفيروس’. ومنذ عام 2012، تعرض ما لا يقل عن 7 أطفال إلى الغرق ــ أو أوشكوا ــ في مجمعات بواخر سياحية قلَّما ضمت مُنقذين يعملون بدوام كامل. وقد سقط، هذا العام، طالبٌ جامعي يبلغ من العمر 21 عامًا، من على على متن سفينة، ولم يتم العثور عليه أبدًا. ويأتي هذا الطالب من بين ما لا يقل عن 24 شخصًا تعرضوا إلى حوادث تسببت في سقوط مسافرين وأفراد طاقم من على متن السفينة، خلال العامين الماضيين، وفق تقارير إعلامية“.

لاحظ الحبكة والمدخل المشوق: تقدم لك الفقرة الأولى شيئًا “جيدًا”، ونحن نعرف بالفعل ــ نتوقع ــ كقراء أن هذا المشهد الشاعري سينقلب إلى اضطراب.

وبالفعل، يتحقق ذلك التوقع في الفقرة الثانية: “بيد أن…”.

ما يهم هنا هو أن “بيد أن” تأتي بحقائق وتماسك، إذ يقول 1700 شخص، وليس “العديد من الأشخاص” وحسب. ويزداد تماسك الجملة بشكل متزايد، إذ تتلاحق الحقائق سريعًا وتنتقل من ذكر الـ1700 شخص إلى “سبعة أطفال” و”طالب جامعي يبلغ من العمر 21 عامًا”. 

وهذا التماسك بالغ الأهمية، لأنه يؤكد أن المراسل خرج وأدى عمله. أما إذا كان مُبهمًا وعامًا، فإنه يخلق على الفور بذرة شك: هل هو مجرد شخص ينبش حول موضوع لم يتم التحقيق فيه فعليًّا؟ 

كذلك، فإنه يقدم تعهدًا ضمنيًّا مفاده: إليك الصورة الكبيرة، وقريبًا جدًّا سنقوم بتكسير هذه الصورة إلى أمور محددة بدرجة أكبر.

– اِبدأ بكشف

وهذه الافتتاحية أكثر شيوعًا في القصص الخبرية عنها في التقارير الطويلة، إذ يميل هذا المدخل إلى توضيح حقيقة رئيسية في تحقيقك بجملة: “كشف تحقيق” أو “كشفت أرقام” أو “كشفت وثائق”. على سبيل المثال:

بي بي سي / سامنتا بولينج

المفلسون يستمتعون بـ”أساليب حياة مرفهة”

“حسبما كشف تحقيقٌ أجرته بي بي سي، يستغل المجرمون، والمدينون غير الأمينين، مواطن الضعف في نظام الإفلاس، للحفاظ على ممتلكاتهم وثرواتهم”. 

ومن ثم، يخلق هذا عنصرًا يجذب القارئ نحو معرفة المزيد عن هذا الكشف. وعادة ما تذهب القصة إلى إيراد مجموعة من الأمثلة قبل الاستغراق في تفاصيل محددة ذات صلة بقضايا أو أفراد بعينها. 

ونلاحظ هنا أن هذا المدخل يهتم بالحقائق الكاشفة أكثر من التعقيدات الأكثر عمقًا المحيطة بها، ذلك أن طريقة الهرم المقلوب الذي يعتمد عليها تفترض نفاد صبر القارئ، الذي يعتمد على أن التفصيلة الأكثر أهمية ستأتي في البداية وأنه لن يكون مضطرًا إلى القلق حيال تفويته هذه الأمور المهمة إذا توقف عن القراءة.

إن فائدة هذا المدخل هي نفسها نقطة ضعفه (حصول القارئ على المعلومات الأكثر أهمية أولًا)، إذ يزيد ذلك من أرجحية أن يطالع القارئ الموضوع بسطحية. 

وعلى العكس، تتعامل المداخل الأخرى المُفصلة أعلاه مع صبر القارئ باعتباره أمرًا مُسلمًا به، حتى أنها أحيانًا ما تخفي كثير من التفاصيل المهمة في نهاية القصة. 

ولهذا الأمر ميزة وعيب. فأما ميزته، فتكمن في أنه يخلق رابطًا أعمق. وأما عيبه، ففي أنه يخاطر بتوقف القراء عن المطالعة نتيجة الشعور بالإحباط أو الملل حيال عدم وصولهم إلى النقطة الرئيسية للموضوع بسرعة كافية. ويعد التفاوض على هذه التوترات جزءًا من الفن التحريري. 

– التجربة

من الممكن لتجربة مداخل المبتدئين المختلفة هذه أن تساعدك على أن توضح بعض القصص لنفسك: هل يتعلق الأمر بشخص أو مكان؟ هل عَلِقت إحدى التفصيلات برأسك لما شكلته من شيء أكبر من القصة؟

بل إنها ربما تُجبرك على تبرير اختياراتك، وكذلك التأكد من متابعتها. إذا قمت بتعريف شخص في بداية الموضوع، هل تأكدت من أنك وفيت بالوعد الضمني الذي يفيد بأن الأهمية من وراء قصتك ستتضح؟ هل أنهى القارئ القصة وقد علم بما حدث لهم (أو ما كان متوقعًا أن يحدث)؟

إذا ورد إلى علمك آليات أخرى تبدأ بها موضوعاتك أو تقاريرك الطويلة، من فضلك أعلمني في التعليقات أو على تويتر: @paulbradshaw.

_____________________________________________________________

نُشِر هذا المقال للمرة الأولى على مدونة “أونلاين جورناليزم” الخاصة بـ”بول برادشو”، ويُعاد نشرها هنا بعد الحصول على إذن.

يشرف “بول برادشو” على رسائل ماجستير صحافة البيانات، ورسائل ماجستير البيئات الحاسوبية متعددة القواعد وصحافة الموبايل، في جامعة “برمنجهام سيتي”، وقد قام بتأليف عدد من الكتب وفصول الكتب المعنية بصحافة الإنترنت والإنترنت، بما في ذلك “دليل صحافة الإنترنت“، و”العثور على القصص في جداول جوجل“، و”سرقة صحافة البيانات“، و”استخراج البيانات للصحفيين“.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *