ما الذي يجعل المراسلين أبطال العصر؟

Print More

English

المؤرخ “تيموثي سنايدر” في السادس من مارس عام 2018: “المراسلون – أبطال العصر”.

أُطلق على المراسلين أبطال العصر، لكن ما الذي يجعل كلمة “أبطال” غير مبالغ فيها، بل ويجعلها بالأحرى وصفًا دقيقًا جدًّا لأهمية تلك المهمة -ألا وهي المراسلة- لعصرنا؟ الصحفي الاستقصائي هو شخص يحاول أن يكتشف حقيقة العالم، وفي تأديته لهذه المهمة، التي تستهدف البحث عن تلك الحقائق، فإنه يخاطر، وأعني بذلك المعنى الحرفي للكلمة.

فكر في أولئك الأشخاص الذين يموتون بالفعل، الذين يحاولون العمل في مواجهة أنماط الظلم الأساسية التي تواجهنا: قُتِل مراسل سلوفاكي (بداية هذا العام)، ولقي مراسل من بيلاروسيا مصرعه في أوكرانيا منذ عام ونصف، وغيرهم العديد من المراسلين الروسيين، الذين قُتِلوا أو أُرهِبوا جسديًّا، في محاولتهم تغطية حروب روسيا في الشيشان أو أوكرانيا.

في هذه الحالات المأساوية، يخاطر هؤلاء المراسلون ويموتون من أجل صنفي الحقيقة في الوقت نفسه؛ يموتون لأنهم يحاولون اكتشاف ما يحدث في العالم الذي نتشاركه، ويموتون أيضًا بسبب مخاطرة محددة قرروا أن يواجهونها، وفقًا لما استقروا على أنه مهم بالنسبة إليهم.

على عكس الجنود، فإن هؤلاء يموتون باعتبارهم أفراد، ويموتون من أجل ما يقومون به كأفراد. إذا مات جندي، ربما نفكر في الجندي باعتباره بطلًا، وهذا عدل، إلَّا أن ذلك الجندي يشارك في عمل عام، والشخص الذي يقتله أو يقتلها لا يعرف من هذا الجندي. أما المراسل فيموت من أجل سبب مجدد جدًّا، لأنه أو لأنها واجها مخاطرة بالنيابة عنا جميعًا.

يواجه المراسلون مخاطر من أجل الحقيقة؛ يواجهون مخاطر تتعلق بخوض المعركة من عدمها، ذلك أن قرار خوض الحرب  عدمه وشن حرب في العراق أو في فيتنام أو وقف الحرب يعتمد في جانب كبير منه على جودة ما لدينا من تقارير وتيسر إتاحتها.

إن ما نعرفه عن الحروب القائمة حاليًا، سواء كانت سوريا أو غزو روسيا لأوكرانيا، له علاقة بحفنة من المراسلين الذين لديهم الشجاعة والقدرة على الذهاب فعليًّا إلى هذه المناطق والتغطية.

إذا كنا نهتم لأمر الجنود، وإذا كنا نعتبرهم أبطالًا أو أبطالًا محتملين، فينبغي علينا أن نولي اهتمامًا بما إذا كان هؤلاء الأشخاص الذين يؤدون الخدمة العسكرية يتعرضون للإيذاء، أو يُرسَلون إلى أماكن لا ينبغي أن يتم إرسالهم إليها، والطريقة الوحيدة لمعرفة ذلك هو أن يكون لديك مراسلين؛ الطريقة الوحيدة التي تمكنك من تقييم الحروب وجدوى خوضها من عدمه وكيف يتم خوضها وما إذا كان يجب وقفها؛ الطريقة الوحيدة للوصول إلى الحقائق التي نحتاج إليها في هذا الخصوص هي المراسلون، ومن هذا المنطلق، فإن المراسلين هم أيضًا أبطال العصر.

ما يقوم به المراسلون في حياتنا اليومية هو أنهم يخلقون المساحة التي يمكننا، من خلالها، أن نجري محادثات وأن نصنع قرارات لأن المراسلين ينتجون شيئًا؛ ينتجون العالم الفعلي؛ العالم الذي يمكننا أن نتفق عليه؛ العالم الذي فيه ما يكفي من الصلابة لأن نقف عليه. إن المراسلين وذلك المستنقع الواسع الغامض الذي نطلق عليه الإعلام ليسوا سيان؛ على النقيض، إذ إن 99.9% من هذا الشيء الذي نطلق عليه الإعلام ليس له علاقة بالتحقيقات وليس له علاقة بالحقيقة، ونحن نشارك في هذا الشيء المسمى الإعلام بالانتباه الكبير الذي نوليه للأشياء التي ليس لها علاقة بالعالم الفعلي، التي ليس لها علاقة بالصحافة، التي ليس لها علاقة بالتحقيقات، أما التحقيقات الاستقصائية فهي شقفة ميكروسكوبية صغيرة في هذا الشيء الذي نطلق عليه الإعلام.

عندما نتحدث عن الإعلام ونشكو من الإعلام، يكون من السهل أن ننسى حفنة صغيرة من الأفراد، ضمن هذا الإعلام، تقبل بالمهمة الصعبة، ويحاولون فعليًّا الكشف عن أشياء.

لماذا الأمر بهذه الأهمية؟

لأن كل ما هو جيد ونعتبره أمرًا مسلمًا به في مجتمع حر، يعتمد على الحقيقة، وبدون المراسلين لا توجد لدينا حقيقة.

فكر في دور القانون؛ دور القانون مستحيل بدون الحقيقة، وإذا لم نؤمن بوجود حقائق في هذا العالم وبأن الكشف عنها أمر ممكن، فمن المستحيل إذًا أن تكون لدينا محاكمات، إذ إن المحاكمات تستند إلى فكرة وجود حقائق يتم جمعها، وإلى ما هو القانون الذي يمكن تطبيقها عليه. بدون المراسلين، لا يمكن أن تكون لديك تحقيقات عن فساد شركات أو عن فساد سياسيين، وعليه فإن دور القانون والتوقعية والعدل، الذين نحب أن نحظى بهم، يعتمدون على الحقيقة التي تعتمد بدورها على المراسلين.

الاتحاد. حرية التجمع. القيام بأشياء نحبها معًا، سواء كانت رياضة أم هواية، سواء كانت سياسية أم لم تكن، جميع ذلك يعتمد على الحقيقة. يجب أن تكون لدينا معرفة بأمور مشتركة، إذا كنا نرغب في إنشاء منظمة أو جماعة، ويجب أن نكون قادرين على تعلم أشياء مشتركة، ويجب أن نثق بأحدنا الآخر، وهذا يعني أن نثق في وجود عالم فعلي.

إذا كان للمراسلين أن يختفوا، فإن التعاون سيكون أصعب جدًّا جدًّا، لأنه ماذا سيكون الغرض من التعاون؟

الحرية تعتمد على المراسلين

وهو ما يقودني إلى الحرية؛ الحرية تعتمد على الحقيقة؛ الحرية تعتمد على المراسلين.

لا يمكنك أن تكون شخصًا حرًا إذا كان كل ما تفعله هو أن تقبل الأشياء التي يقولها لك الأشخاص وتريد سماعها؛ إن الطريقة التي تعمل بها الكثير من وسائل الإعلام، والطريقة التي يتم تنظيم أغلب المسائل السياسية وفقًا لها، تعتمد على معرفة ما تريد سماعه، ومن ثم إخبارك به.

وإذا أنت قبلت بهذه الدائرة، وآمنت بهذه الدائرة، وأومأت رأسك حين يخبرك أشخاص بأشياء قد اكتشفوها وتريد سماعها، فعندي لك خبر: أنت لست شخصًا حرًا.

أن تكون شخصًا حرًا هو ألَّا تنقاد بنفسك وراء ما تريد أن تسمعه؛ أن تكون شخصًا حرًا هو أن تقبل وجود عالم خارجي يمكنك أن تتعلم منه ويمكنه أن يكون تحديًا لك؛ أن تكون شخصًا حرًا هو أن تقوم بأمور غير مألوفة بالنسبة إليك، أو بكلمات أخرى لا تتماشى مع ما تعتقد أنه حقيقة أو مع ما تود أن تسمعه أو مع ما هو أكثر ملائمة لك.

من ذلك الذي ينتج الحقائق التي لا تعرفها، من الذي ينتج الحقائق التي من الممكن ألَّا تكون ملائمة لك؟ المراسلون، وغالبً المراسلون فقط.

إذا أردت أن تقاوم القوى الجارفة التي تزودك فقط بالأمور التي تعرفها بالفعل، والتي تريد سماعها، وإذا أردت أن تتكون لديك فرصة لمقاومتها، فإنك بحاجة إلى حقائق، وهو ما يعني أنك بحاجة إلى مراسلين.

إذا أردنا أن نحظى بمساواة، فإن المراسلين والحقائق التي ينتجونها ضروريان جدًّا.

وذلك لسبب واحد؛ فكر في الطريقة التي سيدور بها العالم إذا لم تكن هناك حقائق يمكن الوصول إليها بحرية، إذا لم يكن باستطاعتك أن تقرأ “الجارديان” أو “واشنطن بوست” أو أيًّا كانت الجريدة التي تحب قراءتها… إذا لم يعد هذا متاحًا، ما مصير الحقائق؟ سيتم فصلها، ستصبح موزعة بشكل غير متساو، وسيستمر الأشخاص والشركات ممن لديهم أموال كثيرة في القيام بمهامهم الاستخباراتية، وسيحاولون اكتشاف الكيفية التي يدور بها العالم من أجل أغراضهم الشخصية، أما أنت فلن تكون لديك القدرة على الوصول إليها.

كلما أصبحت الصحافة أقوى، تزايد الصحفيون الاستقصائيون، وصارت المساواة المتعلقة بالمعلومات أعظم، وتقلص الفارق بين ما تعرفه أنت وما يعرفه الآخرون، وإذا لم يعد المراسلون متواجدين، فإن ضربًا من ضروب عدم المساواة، وهو عدم المساواة في الوصول إلى المعلومات، سيزداد سوءًا بدرجة كبيرة، لأنه إذا كان من هم في السلطة أو من معهم ثروة يعرفون أمورًا لا تعرفها أنت، أو إذا كانوا يصلون إلى هذه المعرفة على نحو أسرع منك، فإن ذلك يعني أن عدم المساواة سيزداد سوءًا.

ماذا عليك أن تفعل؟

إذا كنت تهتم لأمر العدالة، وإذا كنت تهتم لأمر الوحدة، وإذا كنت تهتم لأمر الحرية، وإذا كنت تهتم لأمر المساواة، فعليك إذًا أن تهتم لأمر المراسلين.

إذًا، ماذا يمكنك أن تفعل؟

يخطر إليَّ على الأقل ثلاثة أمور سهلة يمكنك القيام بها.

الأمر الأول هو أنه ينبغي علينا جميعًا أن ندرك كم هو مهين لأي شخص، وبخاصة الشخص القائد، أن يقول إن المراسلين هم عدو الشعب.

إذا كنا نريد أن نصبح شعبًا يتمتع بالحرية والوحدة والعدالة والمساواة، وإذا أردنا أن نحظى بفرصة لأن نحارب من أجل أي من هذه الأمور، فيجب أن يكون لدينا مراسلون.

الأمر الثاني الذي يمكننا القيام به جميعًا هو أن نساعد المراسلين بسلوكياتنا الخاصة، أي أنني سأقرأ للصحفيين الذين هم في الأصل مراسلون، لأولئك الذين يسافرون، والذين تأتي تقاريرهم من أماكن مختلفة، أولئك الذين يبدو أنهم يعملون في تحقيقات، وسأتابع هؤلاء المراسلين. سأقرأ لهم أولًا، ثم أختار أن أنشر أعمالهم على الإنترنت بدلًا من أن يكون الإنترنت هو من يعطيك مستجدات تستهلكها بشكل سلبي. لا تبدأ بوسائل التواصل الاجتماعي، ابدأ بالجريدة التي تحبها، ابدأ بالمراسلين وكون صداقات مع هؤلاء المراسلين ثم انشر أعمالهم.

اشترك في الصحف

الاشتراك في الصحف رخيص بشكل لا يصدق، يكاد يكون بسعر رمزي تقريبًا، لأنه إذا أنفق من يقرأون الأخبار، من بيننا، جزءًا ضئيلًا من المال مقابلًا لهذه الأخبار، فإن ذلك سيساعد الصحف والمراسلين. وبالنظر إلى أهمية الحقيقة، أعتقد أنه يجب أن ندفع مقابلًا لها، إذ إننا ندفع مقابلًا للسباكة، وندفع مقابلًا لخدمات أخرى، وأعتقد أنه من مسؤوليتنا أن ندفع مقابلًا ضئيلًا… من أجل أن ندعم ما يقوم به المراسلون بالفعل.

اشكرهم على خدمتهم

الأمر الثالث هو أن نتأمل مواقفنا تجاه هؤلاء الأشخاص… إذا كان صحيحًا أن المراسلين هم أبطال العصر، وهو ما أعتقده، فهل يخطر إلينا أبدًا أن أشكرهم على ما يقومون به؟ إذا حدث والتقيت مراسلًا بالصدفة، ومن المحتمل أن ذلك سيحدث، فإن هذا الشخص سيكون متفاجئًا جدًّا وأعتقد أنه سيكون ممتنًا أيضًا إذا شكرته على ما يقوم به. هذا الأمر لا يحدث في هذا البلد، وينبغي أن يحدث.


قام “براين بونر” بتدوين هذا المقتطف، المأخوذ من حديث المؤرخ الأمريكي “تيموثي سنايدر” والمنشور على “يوتيوب” في السادس من مارس عام 2018 بعنوان “المراسلون – أبطال العصر”، ونُشِر لأول مرة في “كييف بوست”. وأعيد نشرها هنا بإذن.

Don't miss a thing

Subscribe to GIJN's email newsletter and get the latest
investigative journalism news, tips and resources delivered to your inbox


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *